1401

Al-Taʾwīlāt al-Najmiyya fī al-tafsīr al-ishārī al-ṣūfī

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

وبقوله: { واختلاف الليل والنهار ومآ أنزل الله من السمآء من رزق } [الجاثية: 5]، يشير إلى اختلاف ليل البشرية ونهار الروحانية، وما أنزل الله تعالى من الواردات الربانية من سماء الأرواح، ومن غيث الرحمة رزقا للقلوب؛ { فأحيا به الأرض } [الجاثية: 5] أرض القلوب { بعد موتها } [الجاثية: 5]، عند استيلاء أوصاف البشرية عليها في أوان الولادة إلى حد البلاغة، إذا كانت محرومة عن غداء تعيش به، وهو أوامر الشريعة ونواهيها المودع فيها نور الإيمان، الذي هو حياة القلوب، { وتصريف الرياح } [الجاثية: 5]، وهي رياح نفحات الحق تعالى { ءايت لقوم يعقلون } [الجاثية: 5]، التعرض لنفحات ألطاف الحق.

وفيه إشارة أخرى: أن الله تعالى جعل العلوم الدينية كسبية مصححة بالدلائل، وموهبية محققة بالشواهد؛ فمن لم يستبصر بهما زلت قدمه عن الصراط، ووقع في عذاب الجحيم، فاليوم في ظلمة الحيرة والتقليد وفي الآخرة في الوعيد بالتخليد.

وبقوله: { تلك ءايت الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وءايته يؤمنون } [الجاثية: 6]، يشير إلى أن الإيمان الحقيقي لا يمكن حصوله في القلوب إلا بالله وكتابته في القلوب، وبإراءته المؤمنين آياته، وإلا فلا يحصل بالدلائل المنطقية ولا بالبراهين العقلية؛ فافهم جدا.

{ ويل لكل أفاك } [الجاثية: 7] مكذب { أثيم } [الجاثية: 7] معرض عن الحق، { يسمع ءايت الله } [الجاثية: 8]، في الظاهر؛ إذ { تتلى عليه ثم يصر } [الجاثية: 8]، على الإنكار والجحود { مستكبرا } [الجاثية: 8]، عن قبول الحق، يسمع الباطن { كأن لم يسمعها } [الجاثية: 8]، فمن استمع باستماع الحق والفهم، واستبصر بنور التوحيد فاز بذخر الدارين، وتصدى لعز المنزلين، ومن تصامم بحكم الخذلان والغفلة؛ { فبشره بعذاب أليم } [الجاثية: 8] بوقوعه في وهدة الجهل.

[45.9-13]

وقد وسم بكي الهجران والقطيعة، فآل أمره إلى أنه { وإذا علم من ءايتنا شيئا } [الجاثية: 9]، من عالم رباني { اتخذها هزوا } [الجاثية: 9]، قليل العناد وتأوله على ما نفع له من وجود المراد من دون تصحيح بإسناد، فهؤلاء: { أولئك لهم عذاب مهين } [الجاثية: 9] مذل، وقد يكاشف حاله من بواطن قلبه بتعريفات من الغيب، لا يبدو فيها ريب ولا يتخالجه منها شك فيما هو به في حاله، فإذا استهان بها وقع في ذل الحجة وهوان الفرقة.

{ من ورآئهم جهنم } [الجاثية: 10] جهنم الحرص والأمل، { ولا يغني عنهم ما كسبوا } [الجاثية: 10] بالسوء وبالحرص { شيئا } [الجاثية: 10]، القلوب { ولا ما اتخذوا من دون الله أوليآء } [الجاثية: 10] من الدنيا وأهلها، { ولهم عذاب عظيم } [الجاثية: 10]، وهو هجران إله عظيم { هذا هدى } [الجاثية: 11]؛ أي: هذا الذي ذكرنا من الآيات والدلالات والإشارات وأسباب الهداية لمن أراد الله به خيرا يسمعهم، { والذين كفروا بآيت ربهم } [الجاثية: 11] أن أعرضوا عنها وأنكروا عليها، { لهم عذاب من رجز } [الجاثية: 11]، وهو نظر قهر الحق بالقطيعة، وهو { أليم } [الجاثية: 11] مؤلم حقا.

ثم أخبر عن كرمه مع العبد بأنواع نعمه بقوله تعالى: { الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره } [الجاثية: 12]، يشير إلى أنه تعالى مسخر بحر العدم؛ لتجري فيه فلك الوجود بأمره، وهو أمر

كن

[البقرة: 117]، والحكمة في هذا التسخير مختصة بالإنسان لا بالفلك، سخر البحر والفلك له وسخره لنفسه؛ ليكون خليفة مظهرا لذاته وصفاته تبارك وتعالى نعمة منه وفضلا؛ لإظهار الكنز المخفي، فبحسب كل مسخر من الجزيئات والكليات يجب على العبد شكر، وشكره أن يستعمله في طلب الله بأمره ولا يستعمله في هوى نفسه، وله أن يعتبر من البحر الصوري، والذين يركبون البحر فربما تسلم سفينتهم وربما تغرق، كذلك العبد في فلك الاعتصام في بحار التقدير، تمشي بهم رياح المشيئة، مرفوع لهم شراع التوكل من شيء في البحر بمجرى اليقين، فإن هبت رياح العناية تحث السفينة إلى ساحل السعادة، وإن هبت نكباء الفتنة لم يبق بيد الملاح شيء غرقت في لجة الشقاوة، فعلى العبد أن يكون ابتغاؤه فضل الله، ويسعى في الطلب بأداء شكر النعم، وذلك قوله: { ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون } [الجاثية: 12].

Unknown page