Al-Taʾwīlāt al-Najmiyya fī al-tafsīr al-ishārī al-ṣūfī
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
ثم أخبر عن توبة داود وأوابته بقوله تعالى: { واذكر عبدنا داوود ذا الأيد إنه أواب } [ص: 17]، يشير إلى كماليته في العبودية بأنه لم يكن عبد الدنيا ولا عبد الآخرة، وإنما كان عبدنا خالصا مخلصا، وله قوة في العبودية ظاهرا وباطنا:
فأما قوته في الظاهر: فبأنه قتل جالوت وجنوده بثلاثة أحجار رميا إليهم.
وأما قوته في الباطن: إنه كان أوابا، وقد سرت أوابيته في الجبال والطير فكانت تأوب معه.
[38.18-23]
وبقوله: { إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق * والطير محشورة كل له أواب } [ص: 18-19]، يشير إلى كمال عناية ربوبيته في حقه بعد إظهار كمال عبوديته، { وشددنا ملكه } [ص: 20] في الظاهر بأن جعلناه أشد ملوك الأرض، وفي الباطن بأن { وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب } [ص: 20]؛ والحكمة هي: أنواع المعارف من المواهب، وفصل الخطاب: بأن ملك المعارف بأدل دليل وأقل قليل، وبقوله: { وهل أتاك نبؤا الخصم إذ تسوروا المحراب * إذ دخلوا على داوود ففزع منهم } [ص: 21-22]، يشير إلى كمال ضعف البشرية مع أنه كان أقوى الأقوياء إذ فزع منهم، ولعل فزع داود عليه السلام كان لإطلاع درجة، على أنه ذلك تنبيه له وعتاب فيما سلف منه، وبقوله: { قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض } [ص: 22]، يشير إلى أنه لا تخف عن صورة أحوالنا فإنا جئنا لتحكم { بيننا بالحق } [ص: 22]؛ ولكن خف عن حقيقة أحوالنا، فإنها كشف أحوالك التي جرت بينك وبين خصمك أوريا، وبقوله: { فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنآ إلى سوآء الصراط } [ص: 22]، يشير إلى أن هذه الحكومة هي الحكمة التي بينك وبين خصمك، فاهدنا فيها إلى الصراط المستقيم إلى الله، فإن سير العباد إلى الله على أقدام المعاملات على جادة الشريعة.
وبقوله: { إن هذآ أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب } [ص: 23]، يشير إلى أن الظلم في الحقيقة من شيم النفوس، فإن وجدت ذا عفة فلعلة، كما قال يوسف عليه السلام:
ومآ أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي
[يوسف: 53].
[38.24-26]
وبقوله: { قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطآء ليبغي بعضهم على بعض } [ص: 24]، يشير إلى أن النفوس جبلت على الظلم والبغي وسائر الصفات الذميمة ولو كانت نفوس الأنبياء عليهم السلام، ثم استثني منهم أهل الإيمان والعمل الصالح بقوله: { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } [ص: 24]؛ يعني: الذين آمنوا وعملوا أعمالا صالحة لتزكية النفس عن صفاتها الذميمة، ثم قال تعالى: { وقليل ما هم } [ص: 24]؛ يعني: وقليل من أهل الإيمان أن يكون أعمالهم صالحة لتزكية النفس، وهم الأنبياء والأولياء، وفيه إشارة أخرى وهي: إن من شأن النبي والولي أن يحكم كل واحد منهم بين الخصوم بالحق، كما ورد الشرع به بتوفيق الله، وإن الواجب عليهم أن يحكموا على أنفسهم بالحق كما يحكمون على غيرهم، كما قال تعالى:
Unknown page