Al-Taʾwīlāt al-Najmiyya fī al-tafsīr al-ishārī al-ṣūfī
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
ثم أخبر عن قدرته ومن علينا بنعمته وبقوله تعالى: { أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ أنعاما } [يس: 71]، يشير إلى أنه تعالى خلق للإنسان جميع ما خلق بالوسائط وغير الوسائط، ومما خلق بغير الوسائط خلق لهم أنعاما، ذكر عظيم منته عليهم وجميل نعمته لديهم بما خلق لهم المخلوقات، وبما سخر لهم من الأنعام التي ينتفعون بها بوجوه من الانتفاع فهم لها مالكون؛ لينتفعوا بركوبها وأكل لحومها وشحومها وبشرب ألبانها، وما يحمل عليها بالتقرب بها في قطع المسافة البعيدة إلى الزيارات والمواضع الشريفة والمزارات المتبركة، ثم بأصوافها وأدبارها وشعورها.
[36.73-77]
ثم بعضها كما قال تعالى: { ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون } [يس: 73]، فطالبهم بالشكر عليها فوجدهم مقصرين في أدائها مبالغين في كفران النعمة، ثم شكا عنهم مع حبيبه صلى الله عليه وسلم فقال مع كل هذه الوجوه عن الإحسان: { واتخذوا من دون الله آلهة } [يس: 74]، أكلوا نعمتي وانتفعوا بها وعبدوا غيري، { لعلهم ينصرون * لا يستطيعون نصرهم } [يس: 74-75]، ولا نصر أنفسهم { وهم لهم جند محضرون } [يس: 75] في العذاب؛ ليذوق بعضهم وبال بعضهم.
ثم عزى نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: { فلا يحزنك قولهم } [يس: 76]، يشير إلى كلام الأعداء الصادر من العداوة والحسد جدير أن يحزن قلوب الأنبياء مع كمال قوتهم، وأنهم ومتابعيهم مأمورون بعدم الالتفات له، وتطييب القلوب في مقاساة الشدائد في الله بأن لها ثمرات كريمة عند الله، وللحساد مطالب بها عند الله كما قال { إنا نعلم ما يسرون } [يس: 76] من الحسد والضغائن { وما يعلنون } [يس: 76] من العداوة والطعن وأنواع الجفاء، وإذا علم العبد أن ألمه آت من الحق هان عليه ما يقاسيه، لا سيما إذا كان في الله.
ثم أخبر عن عناية الرحمن وغواية الإنسان بقوله تعالى: { أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين } [يس: 77]، يشير إلى كمال عنايته في خلق الإنسان أنه أفرغ عليه سبحانه نعمه؛ إذ كان نطفة من ماء مهين فشدد أسره، وجمع نشره وسوى أعضاءه، وركب أجزاءه ونفخ فيه من روحه وأودعه العقل والتمييز، ثم أنه جاء ظلوما كفارا لأنعمه كما شكا عنه أنه خصيم مبين ينازعه في خطابه، ويعترض عليه في أحكامه بزعمه في استصواب رأيه، وكما قيل:
أعلمه الرماية كل يوم
فلما اشتد ساعده رماني
[36.78-83]
{ وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم } [يس: 78] أولم يتفكروا في بدء خلقه، إنا أنشأناه من الذرة التي استخرجناها من صلب آدم، وهي أصغر من العظيم الرميم، ثم أودعناها في النطفة وهي في صلب أبيه مودعة، ثم أودعنا النطفة في رحم أمه والنطفة ميتة، ثم أنشأنا النطفة خلقا آخر حيا، { قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة وهو بكل خلق عليم } [يس: 79]، الذي علم أن يخلق آدم من تراب بلا أب وأم، وأنه يخلق حواء بلا أم ويخلق عيسى بلا أب.
{ الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا } [يس: 80]؛ أي: من شجر أخضر البشرية نار المحبة { فإذآ أنتم منه توقدون } [يس: 80]، شجرة بشريتكم ومصباح قلوبكم.
Unknown page