Al-Taʾwīlāt al-Najmiyya fī al-tafsīr al-ishārī al-ṣūfī
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
[34 - سورة سبإ]
[34.1-5]
{ الحمد لله الذي له ما في السموت وما في الأرض } [سبأ: 1] يشير إلى الثناء على نفسه والمدح لذاته إخبارا عن كمال جلاله واستحقاقه لنعوت عزه وجماله، فهو في الأزل حامد لنفسه محمود وأحمد موجود وفي الآزال معبود وبالظلمات مقصود الذي له ما في السماوات وما في الأرض ملكا وملكا لا شركة لأحد فيهما فلا ملك ولا مالك إلا هو وإن جرى هذان الاسمان على مخلوقه، فإن ذلك المخلوق داخل في ملكه وملكه وأنه الزنجي لا يتغير عن لونه، وإن سمي كافورا.
{ وله الحمد في الآخرة } ذكر بلام التمليك، وذكر الحمد بالألف واللام وهي لاستغراق الجنس يعني كل حمد حمد به الحامدون في السماوات والأرض وفي الدنيا والآخرة، وكل حمد يحمد به أحد من خلقه راجع إليه؛ لأنه هو أصل الحمد والحمد ملك له لا شركة لأحد فيه وأنه حمد نفسه بقوله الحمد لله، وأنزل على خلقه ليحمدوه بحمد قديم فيه معنى يصلح لذاته القديم، فإن الحمد المحدث بمعنى محدث تدركه الأفهام المحدثة لا يصلح لذاته القديم ولهذا ليلة المعراج.
كما قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم:
" أثن علي، قال صلى الله عليه وسلم: لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك "
يعني: الثناء المحدث من محدث لا يصلح لذاتك القديم إلا ثناؤك القديم الصادر من ذاتك القديم من الأزل إلى الأبد بلا بداية له ولا نهاية يصلح لذاتك الذي لا أول له ولا آخر، بل أنت أول كل شيء وآخر كل آخر وظاهر كل ظاهر وباطن كل باطن.
{ وهو الحكيم } [سبأ: 1] فيما قدر ودبر { الخبير } [سبأ: 1] بما خلق كيف خلق وبما خلق { يعلم ما يلج في الأرض } [سبأ: 2] أي: أرض البشرية بواسطة الحواس الخمس والأغذية الصالحة والفاسدة من الحلال والحرام { وما يخرج منها } [سبأ: 2] من الصفات المتولدة منها والأعمال المنجية { وما ينزل من السمآء } [سبأ: 2] سماء القلب من الفيض الروحاني والإلهامات الربانية { وما يعرج فيها } من آثار الفجور والتقوى وظلمة الضلالة ونور الهدى { وهو الرحيم } [سبأ: 2] لمن تولاه { الغفور } [سبأ: 2] لذنوب أهل ولايته.
{ وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة } [سبأ: 3] أي: وقالت النفوس الكاذبة المكذبة لأهلها أن القيامة ليست آتية ولا نبعث، فبهذا التمني كفروا وكذبوا الرسل وما قبلوا دعوتهم وكلامهم، وتابعوا أهواءهم وهذا الكفر والتكذيب والتمني الفاسد طبيعة النفوس كلها، فمن وكله الله بالخذلان إلى طبيعة نفسه تكون هذه الخصال سجنه أبدا.
وإذا أراد الله لعبد خيرا ينظر إلى قلبه بنظر العناية ويسمعه قوله: { قل بلى وربي لتأتينكم } [سبأ: 3]، وينطبق بهذا الإقرار وتصديق الرسل وقول الشريعة والعمل بها وهو { عالم الغيب } [سبأ: 3] غيب القلوب والشهادة شهادة النفوس { لا يعزب عنه مثقال ذرة } [سبأ: 3] مما يجري { في السموت } [سبأ: 3] سماوات القلوب { ولا في الأرض } [سبأ: 3] أرض النفوس { ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين } [سبأ: 3] مكتوب عنده في أم الكتاب وبتقديره يجري ما يجري على أهل النفوس وبتوفيقه يجري ما يجري على أهل القلوب كما اقتضت الحكمة الإلهية والمشيئة القديمة.
Unknown page