Al-Taʾwīlāt al-Najmiyya fī al-tafsīr al-ishārī al-ṣūfī
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
{ منيبين إليه } [الروم: 31] راجعين إلى إلهيته بالخروج عن حبس أنانيته { واتقوه } أي: واتقوا به من غيره { وأقيموا الصلاة } [الروم: 31] أي: أديموها بالحضور مع الله.
{ ولا تكونوا من المشركين } [الروم: 31] الملتفتين إلى غير الله، { من الذين فرقوا دينهم } [الروم: 32] الذين كانوا عليها في الفطرة التي فطر الناس عليها من التجريد والتفريد والتوحيد والمراقبة في مجلس الأنس والملازمة للمكالمة مع الحق، { وكانوا شيعا } [الروم: 32] أي: وصاروا فرقا: فريقا: منهم مالوا إلى نعيم الجنان، وفريقا: منهم رغبوا في نعيم الدنيا بالخذلان، وفريقا: منهم وقعوا في شبكة الشيطان فساقهم إلى حب الشهوات وإلى درك النيران.
{ كل حزب } [الروم: 32] من هؤلاء الفرق { بما لديهم } [الروم: 32] من مشتهى نفوسهم ومقتضى طباعهم، { فرحون } [الروم: 32] فجالوا في ميدان الغفلات واستغرقوا في بحار الشهوات وظنوا بالظنون الكاذبة أن جذبتهم إلى ما هم فيه السعادة الحادثة، فإذا انكشف ضباب فهمهم، وانقشع سحاب جهدهم، انقلب فرحهم ترحا واستيقنوا أنهم كانوا في ضلالة ولم يفرحوا إلا في أوطان الجهالة، وسوف ترى إذا تجلى الغبار أفرس تحتك أم حمار.
ثم أخبر عن خصائص الإنسان الغالب عليه نسيان الإحسان بقوله تعالى: { وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه } [الروم: 33] يشير إلى طبيعة الإنسان أنها ممزوجة من هداية الروح وطاعته، ومن ضلالة النفس وعصيانها وتمردها، فإن الناس إذا أظلتهم المحنة ونالتهم الفتنة ومستهم البلية انكسرت نفوسهم وسكنت دواعيها وتخلصت أرواحهم عن أسر ظلمة شهواتها ورجعت على وفق طبعها المجبولة عليه إلى الحضرة، ورجعت النفوس أيضا بموافقة الأرواح على خلاف طباعها مفطورة في دفع البلية إلى الله مستغيثين بلطفه مستجيرين عن محنتهم ، مستكشفين الضر، فإذا جاد عليهم بكشف ما نالهم ونظر إليهم باللطف فيما أصابهم.
{ ثم إذآ أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون } [الروم: 33] وهم النفوس المتمردة يعودون إلى عادتهم المذمومة وطبيعتهم الدنيئة في كفران النعمة { ليكفروا بمآ آتيناهم } [الروم: 34] من النعمة والرحمة، ثم هددهم بقوله: { فتمتعوا فسوف تعلمون } [الروم: 34] ما جزاء ما تعملون على وفق طباعكم واتباع لهواكم.
وبقوله: { أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون } [الروم: 35] يشير إلى أن أعمال العباد إذا كانت مقرونة بالحجة المنزلة تكون حجة لهم، وإذا كانت من نتائج طباع نفوسهم الخبيثة يكون عليهم.
[30.36-40]
ثم أخبر عن الإنسان الناسي ذكر الله الموكول إلى طبعه بقوله: { وإذآ أذقنا الناس رحمة } [الروم: 36] في صورة نعمة الدنيا أو شهوة النفس والهوى { فرحوا بها } [الروم: 36] وغرتهم الحياة الدنيا وأعرضوا عن عبودية المولى.
{ وإن تصبهم سيئة } [الروم: 36] شدة وضيق في حظوظ النفوس وفوات ملائم الطبع والهوى بشؤم { بما قدمت أيديهم } من مخالفات أمر المولى، { إذا هم يقنطون } من رحمة المولى ولا يرجعون عن متابعة الهوى، وليس هذا من دأب المحبوبين وليس هذا من دأب المحبين ولا من دأب المريدين، قال الله تعالى في وصفهم
لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بمآ آتاكم
Unknown page