1208

Al-Taʾwīlāt al-Najmiyya fī al-tafsīr al-ishārī al-ṣūfī

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

" الحديث.

وقد قالت المشايخ: المجاهدات تورث المشاهدات، ولو قال قائل: ما للوهابيين والبراهمة والفلاسفة أنهم يجاهدون النفس حق جهادها، ولا يورث لهم المشاهدات؟

قلنا: لأنهم أقاموا بالمجاهدات فجاهدوا وتركوا الشرط الأعظم منه وهو قوله: { فينا } أي: خالصا وهم جاهدوا في الهدى والدنيا والخلق والرياء والسمعة والشهوة وطلب الرئاسة والعلو في الأرض والتكبر على خلق الله فأما من جاهد في الله جاهد أولا بترك الحرمات ثم بترك الشبهات ثم بترك الفضلات، ثم بقطع التعلق تزكية للنفس، ثم بالتنقية من شواغل القلب على جميع الأوقات وتخليته عن الأوصاف المذمومات تصفية للقلب، ثم بترك الالتفات إلى الكونين وقطع الطمع عن الدارين تحلية للروح، { والذين جاهدوا } في قطع النظر عن الأغيار بالانقطاع والانفعال لنهدينهم سبلنا بالوصول والوصال.

ثم اعلم أن الهداية على نوعين: هداية تتعلق بالمواهب فمن وهبه الله، فهي سابقة والتي تتعلق بالمكاسب فمن كسب العبد وهي مسبوقة ففي قوله: { والذين جاهدوا فينا } [العنكبوت: 69] إشارة إلى أن الهداية الموهبة سابقة على جهد العبد وجهده ثمرة تلك البذرة، فإن لم يكن بذر الهداية الموهبة مزروعة بنظر العناية في أرض طينية العبد لما نبت منها حضرة الجهد، ولو لم يكن المزروع مزكى بسقي جهد العبد لما أثمر ثمار الهداية المكتسبة.

[30 - سورة الروم]

[30.1-7]

{ الم } [الروم: 1] يشير بالألف إلى ألفة طبع الموضع بعضهم لبعض، وباللام يشير إلى أن ألفة المؤمنين لما كان من كرم الله وفضله بالله ألف بين قلوبهم انتهت إلى غاية حصلت ألفة ما بينهم وبين أهل الكتاب إذا كانوا يوما من أهل الإيمان وإن كان اليوم خاليا عن ذلك، وإنه لو عم الكافرين لما كان جليا غلب عليهم حتى من لؤم طبعهم أنهم يعادون بعضهم بعضا، وأن مغفرة رب العالمين لما كانت من كرمه العميم وإحسانه القديم انتهت إلى غاية شملت الفريقين ليتوب على العاصي من الحزبين ويعم الطائفتين خطاب:

إن الله يغفر الذنوب جميعا

[الزمر: 53].

وبقوله: { غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون } [الروم: 2-3] يشير إلى إعجاز القرآن وصحة نبوة سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه؛ إذ أخبر عن حال غيبي، وأنه جاء كما أخبر بعد سبع سنين، وفيه إشارة إلى أن حال أهل الطلب يتغير بحسب الأوقات، ففي بعض الأحوال يغلب فارس النفس على روم القلب للطالب الصادق فينبغي ألا يزل هذا قدمه عن صراط الطلب ويكون له قدم صدق عند الله بالثبات.

Unknown page