1134

Al-Taʾwīlāt al-Najmiyya fī al-tafsīr al-ishārī al-ṣūfī

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

{ والذين هم على صلواتهم يحافظون } [المؤمنون: 9]؛ لئلا يقع خلل في صورتها ومعناها ولا يضيع عنهم الحضور في الصف الأول صورة ومعنى: { أولئك هم الوارثون * الذين يرثون الفردوس } [المؤمنون: 10-11] وهو أعلى مراتب القرب قد بقي ميراثا عن الأموات قلوبهم، فورثه الذين كانوا أحياء القلوب { هم فيها خالدون } إلى الأبد.

ثم أخبر عن الإحسان في خلق الإنسان بقوله تعالى: { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين } [المؤمنون: 12] يشير إلى أن سلالة سلة من جميع الأرض طينها وسبخها وسهلها وجبلها باختلاف ألوانها وطبائعها المتفاوتة، ولهذا اختلف ألوانها وأخلاقهم لأنه موضوع في طبيعتهم ما هو من خواص الطين الذي يختص بخاصية منها نوع من الحيوان أي: من جنس البهائم والسباع والجوارح والحشرات والمؤذيات الغالبة على كل واحد منها صفة من الصفات الذميمة والحميدة.

أما الذميمة: فكالحرص في الفأرة والنملة، وكالشهوة في الحمار والعصفور، وكالغضب في الفهد والأسد، وكالكبر في النمر، وكالبخل في الكلب، وكالشره في الخنزير، والحقد في الحية وغير ذلك من الصفات الذميمة.

وأما المحمودة: كالشجاعة في الأسد، والسخاوة في الديك، والقناعة في البوم، وكالحلم في الجمل، وكالتواضع في الهرة، وكالوفاء في الكلب، وكالبكور في الغراب، وكالهمة في البازي والسلحفاة وغيرها من الصفات الحميدة، ثم أودعها في طينة الإنسان وهو آدم عليه السلام.

[23.13-22]

ثم قال الله تعالى: { ثم جعلناه نطفة في قرار مكين } [المؤمنون: 13] أي: قطرة أجزاءها متماثلة ونطفة أبعاضها متشاكلة، ثم بإظهار القدرة تصرف في النطفة فجعلها علقة فقال: { ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما } [المؤمنون: 14] يشير إلى أن لكل خلقة رتبة في النطفة خاصية وطبيعة أخرى، وجعل بعضها لحما وعظما، وبعضها شعرا، وبعضها ظفرا، وبعضها عصبا، وبعضها جلدا، وبعضها مخا، وبعضها أمعاء، ثم خص كل عضو بهيئة مخصوصة، وكل جزء بكيفية معلومة، ثم الصفات التي للإنسان خلقها متفاوتة من السمع والبصر والنطق والفكر والغضب والقدرة والعلم والإرادة والشجاعة والحسد والحرص والجود، والأوصاف الكثيرة التي يتقاصر عنها الحصر والعد، فتدل هذه الأحوال المختلفة صورة ومعنى في الأطوار المختلفة صورة ومعنى.

{ ثم أنشأناه خلقا آخر } [المؤمنون: 14] بنفخ الروح فيه يعني خلقا غير المخلوقات التي خلقها قبله، وهو أحسنهم تقويما وأكملهم استعدادا وأجلهم كرامة وأعلاهم رتبة وأدناهم قربة وأخصهم فضيلة؛ فلهذا أثنى على نفسه عند خلقه بقوله تعالى: { فتبارك الله أحسن الخالقين } [المؤمنون: 14] يعني: لأنه خلق أحسن المخلوقين فيما جعلهم معدن العرفان وموضوع المحبة ومتعلق العناية، فإنه لما خلق السماوات والأرضين والعرش والكرسي مع المخلوقات من الجنة ومتعلق العناية، فإنه من الجنة والنار لم يعقبهما بهذا التمدح الذي ذكر بعد نعت خلقه بني آدم تخصيصا لهم من بين المخلوقات { ثم إنكم بعد ذلك لميتون } [المؤمنون: 15] يشير إلى أن الإنسان بعد بلوغه إلى الرتبة الإنسانية قابل للموت مثل موت القلب وموت النفس، وقابل لحشرهما وفي موت القلب حياة النفس وحشرها مودعة، وفي موت النفس حياة القلب وحشره مودع، وحياة النفس بالهوى وظلمته، وحياة القلب بالله ونوره، كما قال الله تعالى:

أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس

[الأنعام: 122] وهذا معنى حقيقة قوله تعالى: { ثم إنكم يوم القيامة تبعثون } [المؤمنون: 16].

وبقوله تعالى: { ولقد خلقنا فوقكم سبع طرآئق } [المؤمنون: 17] يشير إلى أن أطباق السماوات كما هي حجب تحول بين أبصارنا وبين المنازل العالية من العرش الكريم، كذلك أطوار القلب سبعة هي أغشيتها وحجبها، كالغضب والشهوة والإرادات الشاغلة، والغفلات المتراكمة.

Unknown page