1120

Al-Taʾwīlāt al-Najmiyya fī al-tafsīr al-ishārī al-ṣūfī

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

[22.25-29]

ثم أخبر عن أحوال النفوس المتمردة والأرواح المرتدة بقوله تعالى: { إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام } [الحج: 25] يشير إلى منكري هذا الشأن، فإنهم مع إنكارهم وإعراضهم عن الحق يصدون الطالبين عن طريق الله بالإنكار والاعتراضات الفاسدة على المشايخ، ويقطعون الطريق على أهل الطلب؛ ليردوهم على طلب الحق تعالى، وعن دخول مسجد حرام القلب، فإنه حرم الله تعالى.

{ الذي جعلناه للناس } [الحج: 25] أي: جعلناه لهم بالاهتداء وطلب الحق لا عليهم، كالنفس الأمارة بالإضلال، والإعراض عن الحق سواء { العاكف فيه والباد } [الحج: 25] أي: يستوي في الوصول إلى مقام الطلب الذي سبق إليه بمدة طويلة، والذي يصل إليه في الحال ليس لأحد فضل على الآخرة إلا بالسبق إلى مقام القلب ومنازله.

وبقوله تعالى: { ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم } [الحج: 25] يشير إلى أن من يريد في القلب ميلا عن الحق بظلم بوضع الشيء في غيره موضعه؛ لأن القلب معدن محبة الله تعالى يذيقه الله تعالى عذاب البعد، والقطيعة عن الحضرة { وإذ بوأنا لإبراهيم } [الحج: 26]، الروح { مكان البيت } [الحج: 26] القلب، فإن تهيؤ القلوب بتدبير الأرواح وتقدير الحق تعالى { أن لا تشرك بي شيئا } [الحج: 26] في سكنى القلب أي: كن حارسا للقلب لئلا يسكن فيه غيري { وطهر بيتي } [الحج: 26] أي: أفرغ القلب عن الأشياء سواي، وهذا كمال قال تعالى بالوحي إلى بعض أنبيائه: أفرغ لي بيتا أسكنه، فقال: إلهي أي بيت يسعك؟ فأوحى الله إليه: ذلك قلب عبدي المؤمن، ويقال: طهر بيتي بإخراج كل نصيب لك في الدنيا والآخرة من تطلع إكرام، وتطلب إنعام أو إرادة مقام، ويقال: طهر قلبك { للطآئفين } [الحج: 26] فيها من واردات الحق وموارد الأحوال على ما يختاره الحق { والقآئمين } [الحج: 26] وهي الأشياء المقيمة من مستوطنات العرفان، والأمور المغيبة عن البرهان، والمطلقة بما هي حقائق البيان { والركع السجود } [الحج: 26] هي أركان الأحوال المتوالية من: الرهبة والرغبة والرجاء والمخافة والفيض والبسطة والإنس والهيبة، وفي معناه أنشد:

لست من جملة المحبين إن لم

أجعل القلب بيته والمقاما

وطوافي أخاله السير فيه

وهو ركني إذا أردت استلاما

{ وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا } [الحج: 27] أي: وناد في الناسين من النفس وصفاتها والقالب وجوارحه؛ يعني: يقصدون القلب بالأعمال الشريعة البدنية، فإنهم كالكوكبات، لأن الأعمال البدنية مركبة من الحركات ونيات الضمير، كما أن أعمال النفس مفردة أنها من نيات الضمير فحسب { يأتين من كل فج عميق } [الحج: 27] وهو سفل الدنيا؛ لأن القالب من الدنيا وأكثر استعماله في مصالح الدنيا بالجوارح والأعضاء، فردها إلى استعمالها في مصالح القلب إتيانها من فج عميق.

{ ليشهدوا منافع لهم } [الحج: 28] أي: ليحضروا وينتفعوا بالمنافع التي هي مستكنة في القلب؛ فأما النفس وصفاتها: فمنافعها تبديل الأخلاق، وأما القالب وجوارحه: فمنافعهم قبول طاعتهم وأثارها على سيماهم { ويذكروا اسم الله } [الحج: 28] أي: القلب والنفس والقالب شكر { على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } [الحج: 28] بأن جعل الصفات البهيمية الحيوانية مبدلة بالصفات القلبية الروحانية الربانية.

Unknown page