تعددت الأعداء والخيانات، ولكن خيانة فيصل الدويش أثارت في عبد العزيز أشد الغضب والحنق، فراح يدبر وسيلة للانتقام. وكان من تدبيره أنه أذن لعرب عتيبة بالرحيل، ليقال إنهم خذلوه، ثم صالح أهل بريدة وعفا عن زعمائها كما أشرت في الفصل السابق.
ولكنه عندما أذن لبوادي عتيبة بالرحيل ضرب لهم موعدا في مكان يدعى الجعلة، فاجتمع بهم هناك، وأغاروا بغتة على الدويش في جهة سدير، فلاذ بالمجمعة التي كان فيها يومئذ حامية لابن الرشيد، فأدركوه ورجاله في بساتينها وفتكوا بهم، فهزموهم شر هزيمة، وغنموا أموالهم كلها.
بعد هذه الوقعة التي جرح الدويش فيها جاء كبار مطير مستسلمين مستغفرين فأعطاهم ابن سعود الأمان، ثم عاد إلى الرياض ولم يكد يتم الشهر هناك حتى جاءته الأخبار مثبتة خيانة أبي الخيل الذي كان قد عقد وابن الرشيد عهد الصلح والولاء.
استنفر ابن سعود بوادي قحطان وعتيبة، ورفض من جاء ينضم إلى جيشه من مطير التائبين وأهل بريدة؛ لأنه لم يكن ليثق بهم. أما ابن الرشيد فكان قد غزا بعض عربان ابن سعود فلم ينل منهم مغنما، بل غشي جيشه الظمأ فمات عدد كبير من رواحله وخيله، فعاد إلى الجبل ونزل الكهفة.
أما أبو الخيل فاستمر عاصيا طاغيا، بالرغم من عفو ابن سعود وبالرغم من توسط ابن سليم أمير عنيزة. وكان من رجال مطير «التائبين» ما توقعه عبد العزيز فانضموا وطاغية مهنا إلى جيش ابن الرشيد، الذي جاء إلى بريدة فنزل على المياه في جوارها.
أما عربان ابن سعود - قحطان وعتيبة - فانحدروا يلبونه ونزلوا العرض، ثم اجتمعوا بمن نفروا إليه من الحضر بوادي السر وزحفوا شمالا يقصدون بريدة.
تصافت القبائل، فكانت شمر وحرب ومطير مع ابن الرشيد وكانت عتيبة وقحطان مع ابن سعود.
وهناك آخر من الأمراء أنصار ابن الرشيد لا يستهان به، ألا وهو الشيخ مبارك الذي كان مخلصا لكاتب ديوانه في الأقل فلم يعزله بعد تلك الزلة. وقد جاء ثانية بمثلها. ففي الكتب التي وصلت إلى عبد العزيز من «والده» في الكويت كتاب إلى سلطان الرشيد، أرسل خطأ إلى خصمه، وفيه يحرضه على ابن سعود ويلح عليه بالاتفاق وأهل القصيم.
كتم عبد العزيز الأمر وتقدم بجيشه من السر إلى المذنب، فجاءه هناك رجل يدعى عبد العزيز بن حسن من أهل القصيم، ولكنه كان من خفية ابن سعود، فأخبره أن الشيخ مباركا أرسل يتوسط بالصلح بين أهل القصيم وابن الرشيد. لم يكن عبد العزيز ليحتاج إلى هذه البينات في انقلاب «والده» ابن الصباح عليه، وقد تعددت أمثال فعلته هذه الحرباوية، ولكن عذر صاحب الكويت في ذلك أنه كان ينشد دائما التوازن في نجد، ويسعى في تحقيقه والمحافظة عليه؛ لأنه إذا اختل التوازن اختلت في رأيه الشئون كلها، وفيها شئون الكويت.
تقدم ابن سعود إلى عنيزة فعلم أن معسكر سلطان هو خارج بريدة على مسير ساعة من قصرها، فسرى يريد الهجوم عليه، فعلم سلطان بذلك، ونقل إلى قرب القصر.
Unknown page