وعندما انتهى إلى البلد ذلك الفل (1)، واستقر بجمع الروم ذلك المحل، عزم الوالي على النهوض لقتاله، وحشر من غاب وحضر من فرسانه ورجاله، وخرج وحاله عن المآل تترجم، وأمره يقضي بنحسه من لا ينجم.
فرغب الناس منه أن يتأنى قليلا، ويجعل بين البلد وبينه ميلا، ويتربص بالرعية نزول نازلها، وتفرغ حالبها وناقلها، وتأتي الاستظهار بفارسها وراجلها.
فتصلب في مناجزة أهل الصليب، ومشى على غير نظام ولا ترتيب، ومعه من الفرسان ألفان إلا مائتين، قليلون بالمعنى كثيرون (2) في العين، فأما الرجالة فكانوا عشرين ألفا، أكثرهم ما شهد زحفا، ولا حضر من مصاف القتال صفا.
وبات بهم ليلة الثلاثاء في منزل نزله،/ 27/ وقد ولى من حاكم الاستبداد ما عزه ثم عزله، وركب إثر صلاة الصبح، وعارضه لا تبدو منه مخيلة النجح (3)، فكان دأبه في مشيه أن ينادي قومه المرة بعد المرة، ويستطعم ما عندهم ليوم الكريهة المرة (4)، وإذا لقوا العدو فكيف يجالدون، وبأي عزم يجاهدون (5)، فيجيبونه بأنهم يثبون إليهم ويثبتون لمثليهم، ويشربون كل جنان حب الحفاظ، ويشرعون كل سنان إلى تلك الأفئدة الغلاظ، حتى دنا من عسكر الروم، ومعه ألف الغيران وقفا المهزوم.
Page 104
مقدمة المؤلف
ابتداء أمر الجزيرة بالأخبار عن أميرها وتوليه لتدبيرها إلى وقت تدميرها
وصف ما جرى من الجزيرة التي هاجت الروم لغزو الجزيرة
قصة المسطح والمركب
حديث ملك الروم حين عاد إليه رسوله من مراده مخفقا وللخبر المثير لأحقاده محققا
وصف ما نشأ أثناء هذا التدبير من تهيب الروم لهذا المرام الكبير
سبب اختلاف الرعية الجاني على البلد أعظم البلية
حديث ما كان بالجزيرة من النظر حين ورد بحركة الروم صحيح الخبر
ذكر الثورة التي كانت باكورة البطشة الكبيرة وأول بلاء نزل من السماء على الجزيرة
قصة الغراب وتجهيزه بالحث وتوجيهه في البحر للبحث
بيان ما أحدثه الوالي مما أضرم نار الحرقة وأبرم أسباب الفرقة
حديث مفاجأة الأسطول وإطلاله على الساحل للنزول
خبر الروم حين تأهبوا بالمرسى المذكور وتهيأوا من عبره للعبور
عاد الحديث عن إطلالهم على البر وإطلاقهم أعنة الشر
حديث الوقعة الكبرى
قصة الحصار وما حفظ فيه من الأخبار
حديث اجتماع أهل البادية لإصراخ الحاضرة ومناجزة فئة الكفر الحاصرة
ذكر ابن عباد ومصيره إلى ارتداء الخزي بالارتداد
نظر أهل البلد في بعث النذر لتلافي هذا الأمر النكر
رجع الحديث إلى أمر الحصر وما أخطأ أهل البلد بإصابة القدر من النصر
وصف ما جرى من الرأي المدار عند ما شامه الناس من بوارق البوار (1)
فرار ولد الوالي
خروج أبي حفص بن شيري من البلد وتمام الأخبار عن مفارقة روح الإيمان لذلك الجسد
خبر الوالي بعد انقضاء حربه إلى أن صار إلى جزاء ربه