ذكر اهتمام المولى الصاحب الوزير بتمام السنة من دفنه - تغمده الله برحمته-
لما قفل العسكر المنصور من دمشق ، بعد وفاة مولانا السلطان الملك الظاهر - قدس االله روحه ونور ضريحه - ودخل القاهرة ، لم يكن لمولانا السلطان الملك السعيد ، أعزا اله أنصاره ، ولمولانا الصاحب بهاء الدين ، فراغ لما جرت به العادة عن عمل الأعزية للملوك في الجوامع ، بل كان دأبهما في توطيد قواعد المملكة وتمهيدها ، وإعلاء أركانها وتشييدها ، إذ ذلك من المهمات التي يعود نفعها على الخاص والعام ، ويستدر بها ما تكفل به لطف الله من الإفضال والإنعام . فلما استتب لهما الأمر على ما اختاراه واستقرت القواعد على ما قرراه ، واتسق باجتماع الكلمة قمر السعد ، وأنجزت الأيام ما في ضمانها من صدق الوعد ، وانقضت سنة ست وسبعين والدولة في إقبالها ، والأنفسل قد بلغت من انتظامها غاية آمالها ، اهتم مولانا الصاحب بهاء الدين بعزاء السلطان الملك االظاهر ، وفاء بعهده ، وتذكارا لمصاب فقده ، وجريا على ما جرت به العادة من سنة الملوك ، من القيام في أعزيتهم بما يعم نفعه الغني والصعلوك ، فشرع فيه يوم السبت سابع صفر سنة سبع وسبعين وقرر أن يكون أحد عشر يوما في أحد عشر موضعا نصبت فيها الخيمة العظمى السلطانية ، وفرشت بالبسط الجليلة ، وصنعت بها الأطعمة الشهية اواجتمع عليها الخواص والعوام، وحمل منها إلى الربط والزوايا ، فإذا كانت ليلة اليوم الذي عمل فيه المهم ، حضر القراء والوعاظ ، فانقضى الليل ما بين قراءة ووعظ ، فإذا كان وقت السحر وصلي الفجر ، ختم المجلس من الوعاظ عز الدين الشارعي ومجد الدين الواسطي وعلاء الدين بن موسى الداعي أحد مؤذنيه - رحمه الله - وكل هذه السحريات يحضرها المولى الصاحب والأمراء والقضاة والشهود والفتهاء والصوفية . وكان أول هذا الجمع بالبقعة المعروفة بالنقعة بجوار مسجد يعرف بالأندلس ، والثاني بالحوش السلطاني الملكي الظاهري ، والثالث بالمدرسة المجاورة لقبة الشافعي - رضي لله عنه - والرابع بجامع مصر ، والخامس بجامع ابن طولون ، والسادس بالجامع الظاهري بظاهر القاهرة ، والسابع بالمدرسة التي أنشأها بالقاهرة ، والثامن بمدرسة االمك الصالح ، والتاسع بدار الحديث الكاملية ، والعاشر بالخانقاه [ برحبة العيد] والحادي عشر بالجامع الأنور الحاكمي ، وهو يوم الأحد الثاني من شهر ربيع الأول ، وحضر في هذا اليوم الشعراء وأنشدوا المراتي ، وخلع فيه على من كان متكفلا به ، وهم الطواشي ناصر الدين العزيزي ، وشمس الدين مروان وسابق الدين المشد ، والمهتار شجاع الدين عنبر ، ومهتار الفراش خاناه ، والقاضي امين الدين ناظر ديوان المهمات وشاهد صندوق النفقات ، والسابق المذيد والذي خلع عليه من الوعاظ عز الدين الشارعي ، ومجد الدين بن الواسطي لا غير ، وكانوااني عشر واعظأ ، والذين خلع عليه من الشعراء الأديب جمال الدين أبو الحسين الجزار ، والأمير ناصر الدين ابن النقيب لا غير ، وكانوا اثني عشر شاعرا وأعطي من بي من الوعاظ والشعراء جوايز بحسب مراتبهم ، وكانت جملة المصروف على هذا الهم قريبا من ماية آلف درهم ليس فيها شيء من بيت المال .
Page 230