427

Tārīkh al-Islām wa-wafayāt al-mashāhīr waʾl-aʿlām

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام

Publisher

المكتبة التوفيقية

أَتَاكَ النَّصْرُ، هَذَا جِبْرِيلُ آخِذٌ بِعَنَانِ فَرَسِهِ يَقُودُهُ، عَلَى ثَنَايَاهُ النَّقْعُ" ١.
فَرُمِيَ مِهْجَعٌ -مَوْلَى عُمَرَ- بِسَهْمٍ، فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ رُمِيَ حَارِثَةُ بْنُ سُرَاقَةَ النَّجَّارِيُّ بِسَهْمٍ وَهُوَ يَشْرَبُ مِنَ الْحَوْضِ، فَقُتِلَ.
ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى النَّاسِ يُحَرِّضُهُمْ عَلَى الْقِتَالِ، فَقَاتَلَ عُمَيْرُ بن الْحُمَامِ حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ قَاتَلَ عَوْفُ بْنُ عَفْرَاءَ -وَهِيَ أُمُّهُ- حَتَّى قُتِلَ٢.
ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَمَى الْمُشْرِكيِنَ بِحَفْنَةٍ مِنَ الْحَصْبَاءِ، وَقَالَ: "شَاهَتِ الْوُجُوهُ" ٣. وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: "شُدُّوا عَلَيْهِمْ". فَكَانَتِ الْهَزِيمَةُ، وَقَتَلَ اللَّهُ مَنْ قَتَلَ مِنْ صَنَادِيدِ الْكُفْرِ: فَقُتِلَ سَبْعُونَ وَأُسِرَ مِثْلُهُمْ.
وَرَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْعَرِيشِ، وَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ عَلَى الْبَابِ بِالسَّيْفِ فِي نَفَرٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، يَخَافُونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَرَّةَ الْعَدُوِّ.
ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: "إِنِّي قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ رِجَالًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَغَيْرِهِمْ قد أخرجوا كرها لا حاجة لهم بقتالنا، فَمَنْ لَقِيَ أَحَدًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ فَلَا يَقْتُلْهُ، وَمَنْ لَقِيَ أَبَا الْبَخْتَرِيِّ بْنَ هَاشِمِ بْنِ الْحَارِثِ فَلَا يَقْتُلْهُ، وَمَنْ لَقِيَ الْعَبَّاسُ فَلَا يَقْتُلْهُ فَإِنَّهُ إِنَّمَا خَرَجَ مُسْتَكْرَهًا". فَقَالَ أَبُو حُذَيْفَةَ: أَنَقْتُلُ آبَاءَنَا وَإِخْوَانَنَا وَنَتْرُكُ الْعَبَّاسَ؟ والله لئن لقيته لألجمنه بالسيف. فبلغت رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لِعُمَرَ: "يَا أَبَا حَفْصٍ! أَيُضْرَبُ وَجْهُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ"؟ فَقَالَ عُمَرُ: دَعْنِي فَلْأَضْرِبُ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ. فَكَانَ أَبُو حُذَيْفَةَ يَقُولُ: مَا أَنَا آمِنٌ مِنْ تِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي قُلْتُ يَوْمَئِذٍ، وَلَا أَزَالُ مِنْهَا خَائِفًا، إِلَّا أَنْ تُكَفِّرَهَا عَنِّي الشَّهَادَةُ. فَاسْتُشْهِدَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ٤.
وَكَانَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ أَكَفَّ الْقَوْمِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقَامَ فِي نَقْضِ الْصَحِيفَةِ.
فَلَقِيَهُ الْمُجَذَّرُ بْنُ زِيَادٍ الْبَلَوِيُّ حَلِيفُ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ نَهَانَا عَنْ قَتْلِكَ. فَقَالَ: وَزَمِيلِي جُنَادَةُ اللَّيْثِيُّ؟ فَقَالَ الْمجذَّرُ: لَا وَاللَّهِ مَا أَمَرَنَا إِلَّا بِكَ وَحْدَكَ. فقال: لأموتن أنا وهو، ولا يَتَحَدَّثُ عَنِّي نِسَاءُ مَكَّةَ أَنِّي تَرَكْتُ زَمِيلِي حرصًا

١ "إسناده حسن": رواه الأموي، وحسنه الألباني في تخريجه لأحاديث "فقه السيرة" "٢٣٧".
٢ قصة عمير في "الصحيحين".
٣ "حديث حسن": قال الهيثمي في "المجمع" "٦/ ٨٤": رواه الطبري وإسناده حسن، وهو كما قال.
٤ اليمامة: موقعة دارات رحاها بين جيش المسلمين بقيادة خالد بن الوليد وبين جيش مسيلمة الكذاب، وكان النصر حليفًا للمسلمين.

2 / 21