1
الشعراء أبين الناس نفوسا وأجلاهم باطنا، ولهذا ترى أنهم أكثر أبناء آدم تعرضا لنقد الناقدين، على أنهم بعد من طينة آدم وحواء، وليسوا بأكثر من كل الناس إسفافا، ولا أعلى منهم في الآداب مكانة، فهم طبقة خاصة تمتاز بموهبة ما، موهبة فنية لا تخرج في حكمها عن بقية المواهب التي تمتاز بها بقية الطبقات من مجموع الحيوان الناطق، والحقيقة أن نفسية الشعراء نفسية مفضوحة في شعرهم بينة في خطرات نفوسهم، جلية واضحة، بل تكاد تكون ملموسة دون غيرها من نفسيات الناس، ولولا عجز الشاعر عن ضبط هواجس نفسه، وفقد الإرادة عن كتمانها والترسل بها شعرا، لكان أبعد الناس عن صفة الشاعرية، فعجزه هذا سر من أسرار قدرته الشعرية، وضعف إرادته سبب أول من الأسباب التي تسوقه إلى تصوير ما في نفسه، ظانا أنه إنما يعبر عن حقائق العالم وعن نفسيات غيره من الناس بما يصور من خطرات لا تقوم إلا في نفسه وحده.
كنت أسير يوما مع صديق أديب على شاطئ النيل ذات أصيل، وقد فاض النهر في آخر شهر آب، وانعكست على صحفته النحاسية أشعة الشمس الذهبية، فوقف صديقي أمام النهر المتدفق المنساب في جوف الطبيعة انسياب الأمل العريض في نفس أمضها الفراق، وقد بهت من عظم ما يرى، فما لبث أن أخذ كتابا كان معي وكتب على أول صفحة منه:
الله أنت وأنت الله يا نيل
مني لشخصك تعظيم وتبجيل
يبدو جمالك ملء النفس قاطبة
فيأخذ النفس تكبير وتهليل
ولم يك صاحبي من المشتغلين بصناعة النظم، ولم أعرف عنه أنه شاعر، بل هو ناثر من كبار الناثرين، وإن كانت في نفسه نزعة إلى الشعر، فإنما هي نزعة تلوح ضئيلة بجانب حب البحث والاختبار، ولعله يقرأ اليوم هذا، ولعله يذكر هذه المناسبة فيستجمع في مخيلته مرأى النيل ومشهد أمواجه المتلاطمة الآخذ بعضها برقاب بعض، ولعله يكمل ما بدأ منذ عشر من السنين، فيخرج قصيدة بليغة في وصف النهر الفائض، بل في وصف ما فاضت به نفسه من الصور المتخالطة.
وبعد، فهل رأيت في خطاب ذلك الصديق إلى النيل، كيف كشف عن نفسه كيف جعل النيل في منزلة واحدة مع الله، وكيف بدا جمال الطبيعة ملء نفسه ممثلا في النيل، وفي ذلك الظرف الذي انعكست فيه أشعة الشمس عند الأصيل على صفحة النهر النحاسية الجميلة، فأخذ ذلك الجمال على نفس الصديق أطرافها، وملأ جوانبها فلم يترك في نفسه من مكان خال ليسع أية فكرة أو معتقد أو مذهب أو صورة أخرى، وإن وحدة الوجود التصوفية لم تترك في العالم من شيء عند شاعرنا الأديب إلا الله والنيل، ولا شيء غيرهما، وما من ريبة في أن هذه الخطرة التي فاضت بها نفس الصديق في تلك الآونة قد فضحت سرائر نفسه وأظهرتها على حقيقتها الكامنة دون مظهرها الخارجي، فنمت عن أن تلك النفس لو حوطتها عقائد الوثنية لكانت أثبت فيها من كل ما خلق الفكر من صور الدين فوق هذه الأرض.
ولو أنك نظرت معي في ملامح صديقي مما ارتسم على وجهه من مظاهر الحب الشديد والعطف مشوبين بشيء من الانقباض والحيرة، لاعتقدت بأن تلك الحيرة وذلك الانقباض لا يدلان على شيء دلالتهما على تنازع بين التقاليد الوراثية في النفس إذ تتناحر جادة في سبيل أن تملك كل منها أطراف النفس تحت تأثير ظرف من الظروف، وكأن الطبيعة ما خطت على وجه ذلك الصديق مسحة من الحزن تراها نامة من حقيقة نفسه بلا شعر حتى وبلا حديث - على الرغم مما يلوح في كلامه وحركاته من مظاهر المرح والجذل - إلا لتفضح سر نفسه وإن جهد نفسه في إخفائه، وما لاح على وجهه في تلك اللحظة التي أخذ يخاطب فيها النيل من شيء، وما زاد على صفاته من صفة إلا انفعال ممسوس بكآبة شديدة ازدادت معها مسحة ذلك الحزن العميق الذي خطته يد القدرة على محياه.
Unknown page