130

فلما توفى ثار الجرجانيون وانشغل الخراسانيون بالمقاومة وظهرت فتنة عظيمة وجرى قتل عام. فبعث فخر الدولة إلى أبى على العارض لمعاونته، وقتل من الجرجانيين ثلاثة آلاف رجل كانوا رأس الفتنة، ولما ذهب تاش عن خراسان استقرت الإمارة لأبى على سيمجور، فخافه الأمير نوح وأعطى إمارة هرى (هراة) لفائق وجرت حرب بين أبى على وفائق، وانهزم فائق وأسرع إلى الحضرة فى بخارى دون إذن، فخشيه نوح وبعث يكتوزن وآبج الحاجب لحربه، وذهب فائق بعد الحرب منهزما إلى بلخ وبقى هنالك مدة، فبعث أبو على سيمجور إلى الحضرة ببخارى، وذكر حقوق خدمته على الأسرة السامانية وطلب إمارة خراسان، فقبل الأمير نوح ملتمسه، وأعطاه إمارة خراسان وارتفع شأنه، وأصبح له شأن عظيم. فطمع فى الملك وتحول عن السامانيين ولجأ إلى بغراخان من نسل أفراسياب، وحرضه على طلب ملك السامانيين. وقرر أنه حين يستتب له الملك يعطى ملك خراسان لأبى على سيمجور، فتوجه بغراخان إلى بخارى وأرسل نوح آبج الحاجب فى جيش عظيم لحرب بغراخان، وقد وقع آبج أسيرا فى يد بغراخان وانهزم جيشه. فاضطر نوح بن منصور إلى استمالة فائق واستدعاه وأرسله لحربه، فاتفق فائق سرا مع بغراخان، وعاد منهزما من سمرقند وتعقبه بغراخان إلى بخارى فلاذ نوح بن منصور بالفرار وذهب إلى جرجانية، وكان المأمون بن محمد الفريغونى واليا عليها فاحتفى به وكذلك أو عبد الله الخوارزمى «1». ولما جاء بغراخان إلى بخارى استقبله فائق وتمكن بغراخان على سرير بخارى، وبعث بفائق إلى بلخ، أما أبو على سيمجور فلم تتحقق له منه رغبة، ولم يظفر بأكثر من لقب إمارة الجيش. وقد طلب نوح بن منصور وهو فى خوارزم مددا من أبى على سيمجور، وكان يرجوه فى غير جدوى، إلى أن من الله عليه وأبلغه العرش دون مدد، وكان سبب ذلك أن بغراخان مرض وعزم على الرحيل إلى التركستان فمات فى الطريق ، فجاء نوح بن منصور إلى دار الملك، فأراد فائق أن يزعجه قهرا فذهب إلى حربه، وانهزم فاتصل بأبى على سيمجور واتفقا معا على حرب نوح بن منصور، ولما عادى الأمراء القدامى نوحا بن منصور كان من اللازم أن يتصل بغيرهم، فدعى الأمير سبكتكين فتوجه مع ابنه محمود إلى الحضرة ببخارى، وسارا لحرب فائق وسيمجور. وكان لدى الجانبين حشد كبير، وكان سيمجور وفائق من حيث الشوكة ورجال القتال أفضل، ولكن التوفيق كان حليف نوح بن منصور، وقد انصرف دارا بن قابوس عن سيمجور وتوجه إلى نوح، فخافه أبو على سيمجور وانهزم، ولجأ هو وفائق إلى فخر الدولة الديلمى، فاحتفى بهما حفاوة الملوك، وترك لهما جرجان، فأراد سيمجور أن يخرج على الديلم فى جرجان ويستولى عليها، وبهذه الطريقة يتحبب إلى نوح بن منصور، فمانع فائق وقال إن هذا لا يكون، ونذم عند الجميع. وأعطى الأمير نوح إمارة خراسان للأمير سبكتكين ولقبه بناصر الدين، ولقب ابنه بسيف الدولة، وكان ذلك فى سنة أربع وثمانين وثلاثة ثمائة (994 م). فذهب ناصر الدين سبكتكين إلى هرى (هراة) وسيف الدولة إلى نيسابور. فجاء أبو على سيمجور وفائق لحربه (أى لحرب سيف الدولة) وانهزم أمامهما وذهب إلى أبيه، وذهب كل منهما لحربهما من طريق وحاصرا أبا على سيمجور وفائقا وهزماهما، وفر سيمجور وفائق إلى قلعة كلاب «1» وبعثا بشفيع إلى نوح بن منصور، فقال نوح بن منصور: ليذهب أبو على سيمجور إلى جرجانية «2» عند مأمون الفريغونى ويأت فائق إلى الحضرة، فلم يشم فائق ريح السلامة من أبى على سيمجور «3» فى تلك المفارقة، فقصد جرجانية فلما بلغ «هزار اسپ» قبض على أبى عبد الله خوارزمشاه «4» وقتله وآل ملك خوارزم «5» إلى مأمون، فكتب إلى نوح بن منصور وطلب أن يهبه دم أبى على سيمجور، فأجابه نوح إلى طلبه، واستدعاه إليه (أى أبا على سيمجور) ثم نقض عهده وقتله. وحرض فائق إيلك خان على قتال نوح بن منصور، فقصد إيلك خان بخارى، ولكن لم تحدث حرب، واصطلحا على أن تكون إمارة سمرقند لفائق. ومات نوح بن منصور فى الثالث عشر من رجب سنة سبع وثمانين وثلاثمائة (997 م) فى بخارى.

وقد تولى أبو الحارث منصور بن نوح بن منصور بن عبد الملك بن نوح ابن نصر بن أحمد بن إسماعيل بن أحمد بن أسد بن سامان الملك بعد أبيه وحكم سنة وسبعة أشهر، وولى فائقا الإمارة وأبا المظفر العتبى الوزارة، فاتصل جماعة من أركان دولته بأيلك خان، فقصد بخارى، ففر أبو الحارث ودخلت بخارى فى حوزة إيلك خان، وأقام هنالك شحنة، فذهب فائق إلى أبى الحارث وشجعه، فذهبا وحاربا العسكر الإيلكية فى بخارى وهزماهم، وعاد أبو الحارث إلى مملكته وملكه، وأعطى بكتوزن إيالة خراسان فحارب أبو القاسم سيمجور بكتوزن طمعا فى إيالة خراسان وذهب «1» منهزما إلى الديلم «2» فى جرجان، فلاطفه فخر الدولة وبقى هنالك حتى توفى فخر الدولة، فأحسن رعايته مجد الدولة رستم وأمه سيدة.

ولكنه كان يهوى خراسان، وعزم مرة أخرى على حرب بكتوزن، فانهزم أمامه وذهب إلى قهستان «3»، وجاء سيف الدولة محمود إلى خراسان لمحاربة بكتوزن، فترك له بكتوزن خراسان وذهب إلى أبى الحارث، فجاء أبو الحارث لحرب سيف الدولة محمود. ومع ما كان يستظهر به سيف الدولة من القوة والجند، لم يرتض حرب ولى نعمته، فعاد وذهب إلى غزنين (غزنة)، فلاطف أبو الحارث بكتوزن ولقبه بسنان الدولة وعاد. وخرج بكتوزن وفائق على أبى الحارث فى الطريق، وقبضا عليه معا وسملا عينيه فى الثامن عشر ( .... ) «4» سنة تسع وثمانين وثلاثمائة (998 م).

Page 155