106

وعاد الأمير نصر وذهب رافع أيضا إلى خراسان. وكان ذلك سنة ثلاث وسبعين ومايتين (886 م). فلما انقضى على هذه الحال خمسة عشر شهرا بعث الأمير نصر شخصا فى طلب المال، فأمسك الأمير إسماعيل المال ولم يرسله، وكتب الأمير نصر رسالة إلى رافع لأنه كان قد ضمنه، وكتب رافع أيضا كتابا إلى الأمير إسماعيل بهذا المعنى فلم يهتم الأمير إسماعيل، وجمع الأمير نصر العسكر مرة أخرى وكلهم من أهل ماوراء النهر وجاء أبو الأشعث من فرغانة وقصد بخارى مرة أخرى على النحو المتقدم واتجه (أى الأمير نصر) إلى بخارى، فلما بلغ كرمينة جمع الأمير إسماعيل أيضا عسكره وذهب إلى طوايس ودارت الحرب واشتدت المعركة وانهزم إسحق بن أحمد إلى فرب فحمل الأمير إسماعيل حملة قوية على أهل فرغانة وانهزم أبو الأشعث إلى سمرقند، وأراد أهل سمرقند القبض عليه لأنه كان قد ترك أخاه وفر، فعدل أبو الأشعث عن سمرقند وجاء إلى ربنجن «1» وأسر الأمير إسماعيل أحمد بن موسى بن مرزوق وبعث به إلى بخارى، وانهزم عسكر بخارى مرة أخرى، وكان الأمير إسماعيل ثابتا فى مكانه وقد بقى معه نفر قليل، وكان معه من المعاريف سيماء الكبير، فبعث الأمير إسماعيل بشخص وجمع كل من كانوا قد فروا من الغلمان والموالى، وأعاد إسحق بن أحمد من فرب وخرج من مقاتلة بخارى أيضا ألف رجل وتجمع عسكر القرى «2» وأعطى الجميع علوفة، وذهب الأمير نصر إلى ربنجن ودبر أمر الجيش وعاد، وذهب إليه الأمير إسماعيل مرة ثانية فى قرية «واز بدين» «3» وتلاقيا هنالك وتقاتلا، وفى يوم الثلاثاء الخامس عشر من شهر جمادى الآخرة سنة خمس وسبعين ومائتين (888 م) انتصر الأمير إسماعيل على عسكر فرغانة وانهزم أبو الأشعث، وكان الجيش كله قد انهزم، وبقى الأمير نصر فى نفر قليل وانهزم هو أيضا وصاح الأمير إسماعيل فى جماعة من الخوارزمية وأبعدهم عن الأمير نصر وترجل عن جواده وقبل ركابه (أى ركاب الأمير نصر) (وكان سيماء الكبير غلام أبيهما وأخبر القائد الأمير إسماعيل، وبعث سيماء الكبير بشخص وأخبر الأمير إسماعيل بهذه الحالة، فترجل نصر بن أحمد عن الجواد وطرح نمرقة وجلس عليها ووصل الأمير إسماعيل وترجل عن الجواد وتقدم وقبل النمرقة) «4» وقال أيها الأمير لقد كان حكم الله أن أخرجنى عليك ونحن نرى اليوم بأعيننا هذا الأمر بهذه الجسامة، فقال الأمير نصر: إننا لفى عجب من هذا الأمر الذى أتيت به، فلم تطع أميرك ولم تقم بأمر الله تعالى الذى فرضه عليك. فقال الأمير إسماعيل: أيها الأمير أنا مقر بأنى أخطأت والذنب كله ذنبى، وأنت أولى بفضل التجاوز عن هذا الجرم الكبير منى والعفو عنى. وبينما كانا فى هذا الكلام إذ وصل أخوهما الآخر إسحق بن أحمد ولم يترجل عن الجواد. فقال الأمير إسماعيل: يا فلان! ألا تترجل لمولاك؟ وشتمه واحتد عليه، فترجل إسحق مسرعا ووقع على قدمى نصر وقبل الأرض واعتذر قائلا: إن جوادى هذا جامح ولا يمكن الترجل عنه سريعا. فلما أتم هذا الكلام قال الأمير إسماعيل:

أيها الأمير- الصواب أن تعود إلى مقر عزك سريعا قبل أن يصل هنالك هذا الخبر وتثور الرعية فى ماوراء النهر. فقال الأمير نصر: يا أبا إبرهيم، أأنت الذى تبعث بى إلى مكانى! .. فقال الأمير إسماعيل: إذا لم أفعل هذا فماذا أصنع، ولا يليق بالعبد أن يعامل سيده غير هذه المعاملة والأمر لك. وكان الأمير نصر يتكلم والدموع تهطل من عينيه ويأسف على ما حدث والدماء التى أريقت، ثم نهض وركب وقد أمسك الأمير إسماعيل وأخوه إسحق بالركاب وأعادوه. وبعث (أى الأمير إسماعيل) بسيماء الكبير وعبد الله بن مسلم «1» لتشييعه، فساروا مرحلة وأعادهما الأمير نصر وذهب إلى سمرقند.

ويوم أن كان نصر بن أحمد أسيرا كان يتحدث إلى أولئك القوم كما كان يتحدث إليهم أيام أن كان أميرا جالسا على العرش، وكانوا وقوفا لديه لخدمته.

وقد توفى الأمير نصر بعد ذلك بأربع سنوات لسبع بقين من شهر جمادى الأولى سنة تسع وسبعين ومائتين (892 م) وأقيم الأمير إسماعيل خليفة له على جميع أعمال ماوراء النهر وأخوه الآخر وابنه تابعين له.

Page 122