Tārīkh al-Ṭabarī
تاريخ الطبري
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن إسحاق عمن لا يتهم عن أبي هريرة أنه كان يقول حين فتحت هذه الأمصار في زمن عمر وعثمان وما بعده افتتحوا ما بدا لكم فوالذي نفس أبي هريرة بيده ما افتتحتم من مدينة ولا تفتتحونها إلى يوم القيامة إلا وقد أعطي محمد مفاتيحها قبل ذلك حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال كان أهل الخندق ثلاثة آلاف قال ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة بين الجرف والغابة في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تابعهم من كنانة وأهل تهامة وأقبلت غطفان ومن تابعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف من المسلمين فضرب هنالك عسكره وأمر بالذراري والنساء فرفعوا في الآطام وخرج عدو الله حيي بن أخطب حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم كان قد وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه وعاهده على ذلك وعاقده فلما سمع كعب بحيي بن أخطب أغلق دونه حصنه فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له فناداه حيي يا كعب افتح لي قال ويحك يا حيي إنك امرؤ مشئوم إني قد عاهدت محمدا فلست بناقض ما بيني وبينه ولم أر منه إلا وفاء وصدقا قال ويحك افتح لي أكلمك قال ما أنا بفاعل قال والله إن أغلقت دوني إلا على جشيشتك أن آكل معك منها فأحفظ الرجل ففتح له فقال ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر وببحر طام جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمى إلى جانب أحد قد عاهدوني وعاقدوني ألا يبرحوا حتى يستأصلوا محمدا ومن معه فقال له كعب بن أسد جئتني والله بذل الدهر بجهام قد هراق ماءه يرعد ويبرق ليس فيه شيء ويحك فدعني ومحمدا وما أنا عليه فلم أر من محمد إلا صدقا ووفاء فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب حتىسمح له على أن أعطاه عهدا من الله وميثاقا لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك فنقض كعب بن أسد عهده وبرئ مما كان عليه فيما بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر وإلى المسلمين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس أحد بني عبدالأشهل وهو يومئذ سيد الأوس وسعد بن عبادة بن دليم أحد بني ساعدة بن كعب بن الخزرج وهو يومئذ سيد الخزرج ومعهما عبدالله بن رواحة أخو بلحارث بن الخزرج وخوات بن جبير أخو بني عمرو بن عوف فقال انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا فإن كان حقا فالحنوا لي لحنا نعرفه ولا تفتوا في أعضاد الناس وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس فخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا لا عقد بيننا وبين محمد ولا عهد فشاتمهم سعد بن عبادة وشاتموه وكان رجلا فيه حد فقال له سعد بن معاذ دع عنك مشاتمتهم فما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة ثم أقبل سعد وسعد ومن معهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلموا عليه ثم قالوا عضل والقارة أي كغدر عضل والقارة بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحاب الرجيع خبيب بن عدي وأصحابه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين وعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم حتى ظن المؤمنون كل ظن ونجم النفاق من بعض المنافقين حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر وأحدنا لا يقدر أن يذهب إلى الغائط وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث يا رسول الله إن بيوتنا لعورة من العدو وذلك عن ملأ من رجال قومه فأذن لنا فلنرجع إلى دارنا فإنها خارجة من المدينة فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقام المشركون عليه بضعا وعشرين ليلة قريبا من شهر ولم يكن بين القوم حرب إلا الرمي بالنبل والحصار فلما اشتد البلاء على الناس بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة وعن محمد بن مسليم بن شهاب الزهري إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث بن عوف بن أبي حارثة المري وهما قائدا غطفان فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فجرى بينه وبينهم الصلح حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح إلا المراوضة في ذلك ففعلا فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل بعث إلى سع بن معاذ وسعد بن عبادة فذكر ذلك لهما واستشارهما فيه فقالا يا رسول الله أمر تحبه فنصنعه أم شيء أمرك الله عز وجل به لا بد لنا من عمل به أم شيء تصنعه لنا قال لا بل لكم والله ما أصنع ذلك إلا أني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب فأردت أن أكسر عنكم شوكتهم لأمر ما ساعة فقال له سعد بن معاذ يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على شرك بالله عن وجل وعبادة الأوثان ولا نعبد الله ولا نعرفه وهم لا يطمعون أن يأكلوا منا تمرة إلا قرى أو بيعا أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك نعطيهم أموالنا مالنا بهذا من حاجة والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنت وذاك فتناول سعد الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب ثم قال ليجهدوا علينا فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون وعدوهم محاصروهم لم يكن بينهم قتال إلا أن فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ود أبي قيس أخو بني عامر بن لؤي وعكرمة بن أبي جهل وهبيرة بن أبي وهب المخزوميان ونوفل بن عبدالله وضرار بن الخطاب بن مرداس أخو بني محارب بن فهر قد تلبسوا للقتال وخرجوا على خيلهم ومروا على بني كنانة فقالوا تهيئوا يا بني كنانة للحرب فستعلمون اليوم من الفرسان ثم أقبلوا نحو الخندق حتى وقفوا عليه فلما رأوه قالوا والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها ثم تيمموا مكانا من الخندق ضيقا فضربوا خيولهم فاقتحمت منه فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع وخرج علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين حتى أخذ عليهم الثغرة التي أقحموا منها خيلهم وأقبلت الفرسان تعنق نحوهم وقد كان عمرو بن عبد ود قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة فلم يشهد أحدا فلما كان يوم الخندق خرج معلما ليرى مكانه فلما وقف هو وخيله قال له علي يا عمرو إنك كنت تعاهد الله ألا يدعوك رجل من قريش إلى خلتين ألا أخذت منه إحداهما قال أجل قال له علي بن أبي طالب فإني أدعوك إلى الله عز وجل وإلى رسوله وإلى الإسلام قال لا حاجة لي بذلك قال فإني أدعوك إلى النزال قال ولم يا بن أخي فوالله ما أحب أن أقتلك قال علي ولكني والله أحب أن أقتلك قال فحمي عمرو عند ذلك فاقتحم عن فرسه فعقره أو ضرب وجهه ثم أقبل على علي فتنازلا وتجاولا فقتله علي عليه السلام وخرج خيله منهزمة حتى اقتحمت من الخندق هاربة وقتل مع عمرو رجلان منبه بن عثمان بن عبيد بن السباق بن عبدالدار أصابه سهم فمات منه بمكة ومن بني مخزوم نوفل بن عبدالله بن المغيرة وكان اقتحم الخندق فتورط فيه فرموه بالحجارة فقال يا معشر العرب قتلة أحسن من هذه فنزل إليه علي فقتله فغلب المسلمون على جسده فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعهم جسده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا حاجة لنا بجسده ولا ثمنه فشأنكم به فخلى بينهم وبينه
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن أبي ليلى عبدالله بن سهل بن عبدالرحمن بن سهل الأنصاري ثم أحد بني حارثة أن عائشة أم المؤمنين كانت في حصن بني حارثة يوم الخندق وكان من أحرز حصون المدينة وكانت أم سعد بن معاذ معها في الحصن قالت عائشة وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب قالت فمر سعد وعليه درع مقلصة قد خرجت منها ذراعه كلها وفي يده حربته يرقد بها ويقول ... لبث قليلا يشهد الهيجا حمل ... لا باس بالموت إذا حان الأجل ... قالت له أمه الحق يا بني فقد والله أخرت قالت عائشة فقلت لها يا أم سعد والله لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هي قالت وخفت عليه حيث أصاب السهم منه قالت فرمي سعد بن معاذ بسهم فقطع منه الأكحل رماه فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة حبان بن قيس بن العرقة أحد بني عامر بن لؤي فلما أصابه قال خذها وأنا ابن العرقة فقال سعد عرق الله وجهك في النار اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه اللهم وإن كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعله لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة
Page 95