443

حدثنا نصر بن عبدالرحمن الأزدي قال حدثنا محمد بن يعلى عن عمر بن صبيح عن ثور بن يزيد الشأمي عن مكحول الشأمي عن شداد بن أوس قال بينا نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ اقبل شيخ من بني عامر وهو مدرة قومه وسيدهم من شيخ كبير يتوكأ على عصا فمثل بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم قائما ونسبه إلى جده فقال يا بن عبدالمطلب إني أنبئت أنك تزعم أنك رسول الله إلى الناس أرسلك بما أرسل به إبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء ألا وإنك فوهت بعظيم وإنما كانت الأنبياء والخلفاء في بيتين من بني إسرائيل وأنت ممن يعبد هذه الحجارة والأوثان فما لك وللنبوة ولكن لكل قول حقيقة فأنبئني بحقيقة قولك وبدء شأنك قال فأعجب النبي صلى الله عليه وسلم بمسألته ثم قال يا أخا بني عامر إن لهذا الحديث الذي تسألني عنه نبأ ومجلسا فاجلس فثنى رجليه ثم برك كما يبرك البعير فاستقبله النبي صلى الله عليه وسلم بالحديث فقال يا أخا بني عامر إن حقيقة قولي وبدء شأني أني دعوة أبي إبراهيم وبشرى أخي عيسى ابن مريم وإني كنت بكر أمي وإنها حملت بي كأثقل ما تحمل وجعلت تشتكي إلى صواحبها ثقل ما تجد ثم إن أمي رأت في المنام أن الذي في بطنها نور قالت فجعلت أتبع بصري النور والنور يسبق بصري حتى أضاءت لي مشارق الأرض ومغاربها ثم إنها ولدتني فنشأت فلما أن نشأت بغضت إلي أوثان قريش وبغض إلي الشعر وكنت مسترضعا في بني ليث بن بكر فبينا أنا ذات يوم منتبذ من أهلي في بطن واد من أتراب لي من الصبيان نتقاذف بيننا بالجلة إذ أتانا رهط ثلاثة معهم طست من ذهب ملئ ثلجا فأخذوني من بين أصحابي فخرج أصحابي هرابا حتى انتهوا إلى شفير الوادي ثم أقبلوا على الرهط فقالوا ما أربكم إلى هذا الغلام فإنه ليس منا هذا ابن سيد قريش وهو مسترضع فينا من غلام يتيم ليس له أب فماذا يرد عليكم قتله وماذا تصيبون من ذلك ولكن إن كنتم لا بد قاتليه فاختاروا منا أينا شئتم فليأتكم مكانه فاقتلوه ودعوا هذا الغلام فإنه يتيم فلما رأى الصبيان القوم لا يحيرون إليهم جوابا انطلقوا هرابا مسرعين إلى الحي يؤذنونهم ويستصرخونهم على القوم فعمد أحدهم فأضجعني على الأرض إضجاعا لطيفا ثم شق ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي وأنا أنظر إليه فلم أجد لذلك مسا ثم أخرج أحشاء بطني ثم غسلها بذلك الثلج فأنعم غسلها ثم أعادها مكانها ثم قام الثاني منهم فقال لصاحبه تنح فنحاه عني ثم أدخل يده في جوفي فأخرج قلبي وأنا أنظر إليه فصدعه ثم أخرج منه مضغة سوداء فرمى بها ثم قال بيده يمنة منه كأنه يتناول شيئا فإذا أنا بخاتم في يده من نور يحار الناظرون دونه فختم به قلبي فامتلأ نورا وذلك نور النبوة والحكمة ثم أعاده مكانه فوجدت برد ذلك الخاتم في قلبي دهرا ثم قال الثالث لصاحبه تنح عني فأمر يده ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي فالتأم ذلك الشق بإذن الله ثم أخذ بيدي فأنهضني من مكاني إنهاضا لطيفا ثم قال للأول الذي شق بطني زنه بعشرة من أمته فوزنوني بهم فرجحتهم ثم قال زنه بمائة من أمته فوزنوني بهم فرجحتهم ثم قال زنه بألف من أمته فوزنوني بهم فرجحتهم فقال دعوه فلو وزنتموه بأمته كلها لرجحهم قال ثم ضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عيني ثم قالوا يا حبيب لم ترع إنك لو تدري ما يراد بك من الخير لقرت عيناك قال فبينا نحن كذلك إذ أنا بالحي قد جاءوا بحذافيرهم وإذا أمي وهي ظئري أمام الحي تهتف بأعلى صوتها وتقول يا ضعيفاه قال فانكبوا علي فقبلوا رأسي وما بين عيني فقالوا حبذا أنت من ضعيف ثم قالت ظئري يا وحيداه فانكبوا علي فضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عيني ثم قالوا حبذا أنت من وحيد وما أنت بوحيد إن الله معك وملائكته والمؤمنين من أهل الأرض ثم قالت ظئري يا يتيماه استضعفت من بين أصحابك فقتلت لضعفك فانكبوا علي فضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عيني وقالوا حبذا أنت من يتيم ما أكرمك على الله لو تعلم ماذا يراد بك من الخير قال فوصلوا بي إلى شفير الوادي فلما بصرت بي أمي وهي ظئري قالت يا بني ألا أراك حيا بعد فجاءت حتى انكبت علي وضمتني إلى صدرها فوالذي نفسي بيده إني لفي حجرها وقد ضمتني إليها وإن يدي في يد بعضهم فجعلت ألتفت إليهم وظننت أن القوم يبصرونهم فإذا هم لا يبصرونهم يقول بعض القوم إن هذا الغلام قد أصابه لمم أو طائف من الجن فانطلقوا به إلى كاهننا حتى ينظر إليه ويداويه فقلت يا هذا ما بي شيء مما تذكر إن آرائي سليمة وفؤادي صحيح ليس بي قلبة فقال أبي وهو زوج ظئري ألا ترون كلامه كلام صحيح إني لأرجو ألا يكون بابني بأس فاتفقوا على أن يذهبوا بي إلى الكاهن فاحتملوني حتى ذهبوا بي إليه فلما قصوا عليه قصتي قال اسكتوا حتى أسمع من الغلام فإنه أعلم بأمره منكم فسألني فاقتصصت عليه أمري ما بين أوله وآخره فلما سمع قولي وثب إلي فضمني إلى صدره ثم نادى بأعلى صوته يا للعرب يا للعرب اقتلوا هذا الغلام واقتلوني معه فواللات والعزى لئن تركتموه وأدرك ليبدلن دينكم وليسفهن عقولكم وعقول آبائكم وليخالفن أمركم وليأتينكم بدين لم تسمعوا بمثله قط فعمدت ظئري فانتزعتني من حجرة وقالت لأنت أعته وأجن من ابني هذا فلو علمت أن هذا يكون من قولك ما أتيتك به فاطلب لنفسك من يقتلك فإنا غير قاتلي هذا الغلام ثم احتملوني فأدوني إلى أهلي فأصبحت مفزعا مما فعل بي وأصبح أثر الشق ما بين صدري إلى منتهى عانتي كأنه الشراك لذلك حقيقة قولي وبدء شأني يا أخا بني عامر

Page 457