Tārīkh al-Ṭabarī
تاريخ الطبري
فخرج أسا فأخبرهم بما قيل له فخرج اثنا عشر رجلا من رؤسائهم مع كل رجل منهم رهط من قومه فلما أن خرجوا ودعوا أهاليهم بألا يرجعوا إلى الدنيا فوقفوا لزرح على رابية من الأرض فأبصروا منها زرحا وقومه فلما أبصرهم زرح نفض رأسه ليسخر منهم وقال إنما نهضت من بلادي وأنفقت أموالي لمثل هؤلاء ودعا عند ذلك بالنفر الذين كانوا نعتوا عنده أسا وقومه فقال كذبتموني وزعمتم أن قومكم كثير عددهم فأمر بهم وبالأمناء الذين كان بعثهم ليخبروه خبرهم فقتلوا جميعا وأسا في ذلك كثير تضرعه معتصم بربه فقال زرح ما أدري ما أفعل بهؤلاء القوم وما أدري ما قدر قلتهم في كثرتنا إني لأستقلهم عن المحاربة وأرى ألا أقاتلهم فأرسل زرح إلى أسا فقال له أين صديقك الذي كنت تعدنا به وتزعم أنه يخلصك مما يحل بكم من سطواتي أفتضعون أيديكم في يدي فأمضي فيكم حكمي أو تلتمسون قتالي
فأجابه أسا فقال يا شقي إنك لست تعلم ما تقول ولست تدري أتريد أن تغالب ربك بضعفك أم تريد أن تكاثره بقلتك هو أعز شيء وأعظمه وأغلب شيء وأقهره وعباده أذل وأضعف عنده من أن ينظروا إليه معاينة هو معي في موقفي هذا ولم يغلب أحد كان الله معه فاجتهد يا شقي بجهدك حتى تعلم ماذا يحل بك
فلما اصطف قوم زرح وأخذوا مراتبهم أمر زرح الرماة من قومه أن يرموهم بنشابهم فبعث الله ملائكة من كل سماء والله أعلم عونا لأسا وقومه ومادة له فوقفهم أسا في مواقفهم فلما رموا نشابهم حال المشركون بين ضوء الشمس وبين الأرض كأنها سحابة طلعت فنحتها الملائكة عن أسا وقومه ثم رمت بها الملائكة قوم زرح فأصابت كل رجل منهم نشابته التي رمى بها فقتل رماتهم بها كلها وأسا وقومه في كل ذلك يحمدون الله كثيرا ويعجون إليه بالتسبيح وتراءت الملائكة لهم والله أعلم فلما رآهم الشقي زرح وقع الرعب في قلبه وسقط في يده وقال إن أسا لعظيم كيده ماض سحره وكذلك بنو إسرائيل حيث كانوا لا يغلب سحرهم ساحر ولا يطيق مكرهم عالم وإنما تعلموه من مصر وبه ساروا في البحر ثم نادى الهندي في قومه أن سلوا سيوفكم ثم احملوا عليهم حملة واحدة فدقوهم
فسلوا سيوفهم ثم حملوا على الملائكة فقتلتهم الملائكة فلم يبق منهم غير زرح ونسائه ورقيقه
فلما رأى ذلك زرح ولى مدبرا فارا هو ومن معه وهو يقول إن اسا ظهر علانية وأهلكني صديقه سرا وإني كنت أنظر إلى أسا ومن معه واقفين لا يقاتلون والحرب واقعة في قومي
فلما رأى أسا أن زرحا قد ولى مدبرا قال اللهم إن زرحا قد ولى مدبرا وإنك إن لم تحل بيني وبينه استنفر علينا قومه ثانية فأوحى الله إلى أسا إنك لم تقتل من قتل منهم ولكني قتلتهم فقف مكانك فإني لو خليت بينك وبينهم أهلكوكم جميعا إنما يتقلب زرح في قبضتي ولن ينصره أحد مني وأنا لزرح بالمكان الذي لا يستطيع صدودا عنه ولا تحويلا وإني قد وهبت لك ولقومك عساكره وما فيها من فضة ومتاع ودابة فهذا أجرك إذا اعتصمت بي ولا ألتمس منك أجرا على نصرتك
فسار زرح حتى أتى البحر يريد بذلك الهرب ومعه مائة ألف فهيأوا سفنهم ثم ركبوا فيها فلما ساروا في البحر بعث الله الرياح من أطراف الأرضين والبحار إلى ذلك البحر واضطربت من كل ناحية أمواجه وضربت السفن بعضها بعضا حتى تكسرت فغرق زرح ومن كان معه واضطربت بهم الأمواج حتى فزع لذلك أهل القرى حولهم ورجفت الأرض فبعث أسا من يعلمه علم ذلك فأوحى الله إليه والله أعلم أن اهبط أنت وقومك أهل قراكم فخذوا ما غنمكم الله بقوة وكونوا فيه من الشاكرين فإني قد سوغت كل من أخذ من هذه العساكر شيئا ما أخذه فهبطوا يحمدون الله ويقدسونه فنقلوا تلك العساكر إلى قراهم ثلاثة أشهر والله أعلم
Page 311