1549

فدعا المختار شرحبيل بن ورس من همدان فسرحه في ثلاثة آلاف أكثرهم الموالي ليس فيهم من العرب إلا سبعمائة رجل فقال له سر حتى تدخل المدينة فإذا دخلتها فاكتب إلي بذلك حتى يأتيك أمري وهو يريد إذا دخلوا المدينة أن يبعث عليهم أميرا من قبله ويأمر ابن ورس أن يمضي إلى مكة حتى يحاصر ابن الزبير ويقاتله بمكة فخرج الآخر يسير قبل المدينة وخشي ابن الزبير أن يكون المختار إنما يكيده فبعث من مكة إلى المدينة عباس بن سهل بن سعد في ألفين وأمره أن يستنفر الأعراب وقال له ابن الزبير إن رأيت القوم في طاعتي فاقبل منهم وإلا فكايدهم حتى تهلكهم فعلوا وأقبل عباس بن سهل حتى لقي ابن ورس بالرقيم وقد عبى ابن ورس أصحابه فجعل على ميمنته سلمان بن حمير الثوري من همدان وعلى ميسرته عياش بن جعدة الجدلي وكانت خيله كلها في الميمنة والميسرة فدنا فسلم عليه ونزل هو يمشي في الرجالة وجاء عباس في أصحابه وهم منقطعون على غير تعبية فيجد ابن ورس على الماء قد عبى أصحابه تعبية القتال فدنا منهم فسلم عليهم ثم قال اخل معي ها هنا فخلا به فقال له رحمك الله ألست في طاعة ابن الزبير فقال له ابن ورس بلى قال فسر بنا إلى عدوه هذا الذي بوادي القرى فإن ابن الزبير حدثني أنه إنما أشخصكم صاحبكم إليهم قال ابن ورس ما أمرت بطاعتك إنما أمرت أن أسير حتى آتي المدينة فإذا نزلتها رأيت رأيي قال له عباس بن سهل فإن كنت في طاعة ابن الزبير فقد أمرني أن أسير بك وبأصحابك إلى عدونا الذين بوادي القرى فقال له ابن ورس ما أمرت بطاعتك وما أنا بمتبعك دون أن أدخل المدينة ثم أكتب إلى صاحبي فيأمرني بأمره فلما رأى عباس بن سهل لجاجته عرف خلافه فكره أن يعلمه أنه قد فطن له فقال فرأيك أفضل اعمل بما بدا لك فأما أنا فإني سائر إلى وادي القرى ثم جاء عباس بن سهل فنزل بالماء وبعث إلى ابن ورس بجزائر كانت معه فأهداها له وبعث إليه بدقيق وغنم مسلخة وكان ابن ورس وأصحابه قد هلكوا جوعا فبعث عباس بن سهل إلى كل عشرة منهم شاة فذبحوها واشتغلوا بها واختلطوا على الماء وترك القوم تعبيتهم وأمن بعضهم بعضا فلما رأى عباس بن سهل ما هم فيه من الشغل جمع من أصحابه نحوا من ألف رجل من ذوي البأس والنجدة ثم أقبل نحو فسطاط شرحبيل بن ورس فلما رآهم ابن ورس مقبلين إليه نادى في أصحابه فلم يتواف إليه مائة رجل حتى انتهى إليه عباس بن سهل وهو يقول يا شرطة الله إلي إلي قاتلوا المحلين أولياء الشيطان الرجيم فإنكم على الحق والهدى وقد غدروا وفجروا

قال أبو مخنف فحدثني أبو يوسف أن عباسا انتهى إليهم وهو يقول ... أنا ابن سهل فارس غير وكل ... اروع مقدام إذا الكبش نكل ... وأعتلي رأس الطرماح البطل ... بالسيف يوم الروع حتى ينخزل ...

قال فوالله ما اقتتلنا إلا شيئا ليس بشيء حتى قتل ابن ورس في سبعين من أهل الحفاظ ورفع عباس بن سهل راية أمان لأصحاب ابن ورس فأتوها إلا نحوا من ثلاثمائة رجل انصرفوا مع سلمان بن حمير الهمداني وعياش بن جعدة الجدلي فلما وقعوا في يد عباس بن سهل أمر بهم فقتلوا إلا نحوا من مائتي رجل كره ناس من الناس ممن دفعوا إليهم قتلهم فخلوا سبيلهم فرجعوا فمات أكثرهم في الطريق فلما بلغ المختار أمرهم ورجع من رجع منهم قام خطيبا فقال ألا إن الفجار الأشرار قتلوا الأبرار الأخيار إلا إنه كان أمرا مأتيا وقضاء مقضيا وكتب المختار إلى ابن الحنفية مع صالح بن مسعود الخثعمي

بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني كنت بعثت إليك جندا ليذلوا لك الأعداء وليحوزوا لك البلاد فساروا إليك حتى إذا أظلوا على طيبة لقيهم جند الملحد فخدعوهم بالله وغروهم بعهد الله فلما اطمأنوا إليهم ووثقوا بذلك منهم وثبوا عليهم فقتلوهم فإن رأيت أن أبعث إلى أهل المدينة من قبلي جيشا كثيفا وتبعث إليهم من قبلك رسلا حتى يعلم أهل المدينة إني في طاعتك وإنما بعثت الجند إليهم عن أمرك فافعل فإنك ستجد عظمهم بحقكم أعرف وبكم أهل البيت أرأف منهم بآل الزبير الظلمة الملحدين والسلام عليك

فكتب إليه ابن الحنفية أما بعد فإن كتابك لما بلغني قرأته وفهمت تعظيمك لحقي وما تنوي به من سروري وإن أحب الأمور كلها إلي ما أطيع الله فيه فأطع الله ما استطعت فيما أعلنت وأسررت واعلم أني لو أردت لوجدت الناس إلي سراعا والأعوان لي كثيرا ولكني أعتزلهم واصبر حتى يحكم الله لي وهو خير الحاكمين

فأقبل صالح بن مسعود إلى ابن الحنفية فودعه وسلم عليه وأعطاه الكتاب وقال له قل للمختار فليتق الله وليكفف عن الدماء قال فقلت له أصلحك الله أولم تكتب بهذا إليه قال له ابن الحنفية قد أمرته بطاعة الله وطاعة الله تجمع الخير كله وتنهى عن الشر كله فلما قدم كتابه على المختار أظهر للناس أني قد أمرت بأمر يجمع البر واليسر ويضرح الكفر والغدر قال أبو جعفر وفي هذه السنة قدمت الخشبية مكة ووافوا الحج وأميرهم أبو عبدالله الجدلي

ذكر الخبر عن سبب قدومهم مكة

Page 472