Tārīkh al-Ṭabarī
تاريخ الطبري
وكان الناس بالجابية لهم أهواء مختلفة فأما مالك بن هبيرة السكوني فكان يهوى هوى بني يزيد بن معاوية ويحب أن تكون الخلافة فيهم وأما الحصين بن نمير السكوني فكان يهوى أن تكون الخلافة لمروان بن الحكم فقال مالك بن هبيرة لحصين بن نمير هلم فلنبايع لهذا الغلام الذي نحن ولدنا أباه وهو ابن أختنا فقد عرفت منزلتنا كانت من أبيه فإنه يحملنا على رقاب العرب غدا يعني خالد بن يزيد فقال الحصين لا لعمر الله لا تأتينا العرب بشيخ ونأتيهم بصبي فقال مالك هذا ولم تردي تهامة ولما يبلغ الحزام الطبين فقالوا مهلا يا أبا سليمان فقال له مالك والله لئن استخلفت مروان وآل مروان ليحسدنك على سوطك وشراك نعلك وظل شجرة تستظل بها إن مروان أبو عشيرة وأخو عشيرة وعم عشيرة فإن بايعتموه كنتم عبيدا لهم ولكن عليكم بابن أختكم خالد فقال حصين إني رأيت في المنام قنديلا معلقا من السماء وإن من يمد عنقه إلى الخلافة تناوله فلم ينله وتناوله مروان فناله والله لنستخلفنه فقال له مالك ويحك يا حصين أتبايع لمروان وآل مروان وأنت تعلم أنهم أهل بيت من قيس فلما اجتمع رأيهم للبيعة لمروان بن الحكم قام روح بن زنباع الجذامي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إنكم تذكرون عبدالله بن عمر بن الخطاب وصحبته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقدمه في الإسلام وهو كما تذكرون ولكن ابن عمر رجل ضعيف وليس بصاحب أمة محمد الضعيف وأما ما يذكر الناس من عبدالله بن الزبير ويدعون إليه من أمره فهو والله كما يذكرون بأنه لابن الزبير حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن أسماء ابنة أبي بكر الصديق ذات النطاقين وهو بعد كما تذكرون في قدمه وفضله ولكن ابن الزبير منافق قد خلع خليفتين يزيد وابنه معاوية ابن يزيد وسفك الدماء وشق عصا المسلمين وليس صاحب أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم المنافق وأما مروان بن الحكم فوالله ما كان في الإسلام صدع قط إلا كان مروان ممن يشعب ذلك الصدع وهو الذي قاتل عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان يوم الدار والذي قاتل علي بن أبي طالب يوم الجمل وإنا نرى للناس أن يبايعوا الكبير ويستشبوا الصغير يعني بالكبير مروان بن الحكم وبالصغير خالد بن يزيد بن معاوية قال فأجمع رأي الناس على البيعة لمروان ثم لخالد بن يزيد من بعده ثم لعمرو بن سعيد بن العاص من بعد خالد على أن إمارة دمشق لعمرو بن سعيد بن العاص وإمارة حمص لخالد بن يزيد بن معاوية وقال فدعا حسان بن مالك بن بحدل خالد بن يزيد فقال أبني أختي إن الناس قد أبوك لحداثة سنك وإني والله ما أريد هذا الأمر إلا لك ولأهل بيتك وما أبايع مروان إلا نظرا لكم قال له خالد بن يزيد بل عجزت عنا قال لا والله ما عجزت عنك ولكن الرأي لك ما رأيت ثم دعا حسان بمروان فقال يا مروان إن الناس والله ما كلهم يرضى بك فقال له مروان إن يرد الله أن يعطنيها لا يمنعني إياها أحد من خلقه وإن يرد أن يمنعنيها لا يعطنيها أحد من خلقه قال فقال له حسان صدقت وصعد حسان المنبر يوم الإثنين فقال يأيها الناس إنا نستخلف يوم الخميس إن شاء الله فلما كان يوم الخميس بايع لمروان وبايع الناس له وسار مروان إلى الجابية في الناس حتى نزل مرج راهط على الضحاك في أهل الأردن من كلب وأتته السكاسك والسكون وغسان وربع حسان بن مالك بن بحدل إلى الأردن قال وعلى ميمنته أعني مروان عمرو بن سعيد بن العاص وعلى ميسرته عبيد الله بن زياد وعلى ميمنته الضحاك زياد بن عمرو بن معاوية العقيلي وعلى ميسرته رجل آخر لم أحفظ اسمه وكان يزيد بن أبي النمس الغساني لم يشهد الجابية وكان مختبئا بدمشق فلما نزل مروان مرج راهط ثار يزيد بن أبي نمس بأهل دمشق في عبيدها فغلب عليها وأخرج عامل الضحاك منها وغلب على الخزائن وبيت المال وبايع لمروان وأمده بالأموال والرجال والسلاح فكان أول فتح فتح على بني أمية قال وقاتل مروان الضحاك عشرين ليلة كان ثم هزم أهل المرج وقتلوا وقتل الضحاك وقتل يومئذ من أشراف الناس من أهل الشام ممن كان مع الضحاك ثمانون رجلا كلهم كان يأخذ القطيفة والذي كان يأخذ القطيفة يأخذ ألفين في العطاء وقتل اهل الشام يومئذ مقتلة عظيمة لم يقتلوا مثلها قط من القبائل كلها وقتل مع الضحاك يومئذ رجل من كلب من بني عليم يقال له مالك بن يزيد بن مالك بن كعب وقتل يومئذ صاحب لواء قضاعة حيث دخلت قصاعة الشام وهو جد مدلج بن المقدام بن زمل بن عمرو بن ربيعة بن عمرو الجرشي وقتل ثور بن معن بن يزيد السلمي وهو الذي كان رد الضحاك عن رأيه قال وجاء برأس الضحاك رجل من كلب وذكروا أن مروان حين أتي برأسه ساءه ذلك وقال الآن حين كبرت سني ودق عظمي وصرت في مثل ظمىء الحمار أقبلت بالكتائب أضرب بعضها ببعض قال وذكروا أنه مر يومئذ برجل قتيل فقال ... وما ضرهم غير حين النفو ... س أي أميري قريش غلب ... وقال مروان حين بويع له ودعا إلى نفسه ... لما رأيت الأمر أمرا نهبا ... سيرت غسان لهم وكلبا ... والسكسكيين رجالا غلبا ... وطيئا تأباه إلا ضربا ... والقين تمشي في الحديد نكبا ... ومن تنوخ مشمخرا صعبا ... لا تأخذون الملك إلا غصبا ... وإن دنت قيس فقل لا قربا ...
قال هشام بن محمد حدثني أبو مخنف لوط بن يحيى قال حدثني رجل من بني عبد ود من أهل الشام قال حدثني من شهد مقتل الضحاك بن قيس قال مر بنا رجل من كلب يقال له زحنة بن عبدالله كأنما يرمي بالرجال الجداء ما يطعن رجلا إلا صرعه ولا يضرب رجلا إلا قتله فجعلت أنظر إليه أتعجب من فعله ومن قتله الرجال إذ حمل عليه رجل فصرعه زحنة وتركه فأتيته فنظرت إلى المقتول فإذا هو الضحاك بن قيس فأخذت رأسه فأتيت به إلى مروان فقال أنت قتلته فقلت لا ولكن قتله زحنة بن عبدالله الكلبي فأعجبه صدقي إياه وتركي ادعاءه فأمر لي بمعروف وأحسن إلى زحنة
قال أبو مخنف وحدثني عبدالملك بن نوفل بن مساحق عن حبيب بن كرة قال والله إن راية مروان يومئذ لمعي وإنه ليدفع بنعل سيفه في ظهري وقال ادن برايتك لا أبا لك إن هؤلاء لو قد وجدوا لهم حد السيوف انفرجوا انفراج الرأس وانفراج الغنم عن راعيها قال وكان مروان في ستة آلاف وكان على خيله عبيد الله بن زياد وكان على الرجال مالك بن هبيرة قال عبد الملك بن نوفل وذكروا أن بشر بن مروان كانت معه يومئذ راية يقاتل بها وهو يقول ... إن على الرئيس حقا حقا ... أن يخضب الصعدة أو تندقا ...
Page 383