Tārīkh al-Ṭabarī
تاريخ الطبري
فلما كثر الكلام بينهما قام مسلم بن عمرو الباهلي وليس بالكوفة شأمي ولا بصري غيره فقال أصلح الله الأمير خلني وإياه حتى أكلمه لما رأى لجاجته وتأبيه على ابن زياد أن يدفع إليه مسلما فقال لهانئ قم إلي ها هنا حتى أكلمك فقام فخلا به ناحية من ابن زياد وهما منه على ذلك قريب حيث يراهما إذا رفعا أصواتهما سمع ما يقولان وإذا خفضا خفي عليه ما يقولان فقال له مسلم يا هانئ إني أنشدك الله أن تقتل نفسك وتدخل البلاء على قومك وعشيرتك فوالله إني لأنفس بك عن القتل وهو يرى أن عشيرته ستحرك في شأنه أن هذا الرجل ابن عم القوم وليسوا قاتليه ولا ضائريه فادفعه إليه فإنه ليس عليك بذلك مخزاة ولا منقصة إنما تدفعه إلى السلطان قال بلى والله إن علي في ذلك للخزي والعار أنا أدفع جاري وضيفي وأنا حي صحيح أسمع وأرى شديد الساعد كثير الأعوان والله لو لم أكن إلا واحدا ليس لي ناصر لم أدفعه حتى أموت دونه فأخذ يناشده وهو يقول والله لا أدفعه إليه أبدا فسمع ابن زياد ذلك فقال أدنوه مني فأدنوه منه فقال والله لتأتيني به أو لأضربن عنقك قال إذا تكثر البارقة حول دارك فقال والهفا عليك أبالبارقة تخوفني وهو يظن أن عشيرته سمنعونه فقال ابن زياد أدنوه مني فأدني فاستعرض وجهه بالقضيب فلم يزل يضرب أنفه وجبينه وخده حتى كسر أنفه وسيل الدماء على ثيابه ونثر لخم خديه وجبينه على لحيته حتى كسر القضيب وضرب هانئ بيده إلى قائم سيف شرطي من تلك الرجال وجابذه الرجل ومنع فقال عبيدالله أحروري سائر اليوم أحللت نفسك قد حل لنا قتلك خذوه فألقوه في بيت من بيوت الدار وأغلقوا عليه بابه واجعلوا عليه حسرا ففعل ذلك به فقام إليه أسماء بن خارجة فقال أرسل غدر سائر اليوم أمرتنا أن نجيئك بالرجل حتى إذا جئناك به وأدخلناه عليك هشمت وجهه وسيلت دمه على لحيته وزعمت أنك تقتله فقال له عبيدالله وإنك لها هنا فأمر به فلهز وتعتع به ثم ترك فحبس
وأما محمد بن الأشعث فقال قد رضينا بما رأى الأمير لنا كان أم علينا إنما الأمير مؤدب وبلغ عمرو بن الحجاج أن هانئا قد قتل فأقبل في مذحج حتى أحاط بالقصر ومعه جمع عظيم ثم نادى أنا عمرو بن الحجاج هذه فرسان مذحج ووجوهها لم تخلع طاعة ولم تفارق جماعة وقد بلغهم أن صاحبهم يقتل فأعظموا ذلك فقيل لعبيدالله هذه مذحج بالباب فقال لشريح القاضي ادخل على صاحبهم فانظر إليه ثم اخرج فأعلمهم أنه حي لم يقتل وأنك قد رأيته فدخل إليه شريح فنظر إليه
فقال أبو مخنف قحدثني الصقعب بن زهير عن عبدالرحمن بن شريح قال سمعته يحدث إسماعيل بن طلحة قال دخلت على هانئ فلما رآني قال يا لله يا للمسلمين أهلكت عشيرتي فأين أهل الدين وأين أهل المصر تفاقدوا يخلوني وعدوهم وابن عدوهم والدماء تسيل على لحيته إذ سمع الرجة على باب القصر وخرجت واتبعني فقال يا شريح إني لأظنها أصوات مذحج وشيعتي من المسلمين إن دخل علي عشرة نفر أنقذوني قال فخرجت إليهم ومعي حميد بن بكير الأحمري أرسله معي ابن زياد وكان من شرطه ممن يقوم على رأسه وايم الله لولا مكانه معي لكنت أبلغت أصحابه ما أمرني به فلما خرجت إليهم قلت إن الأمير لما بلغه مكانكم ومقالتكم في صاحبكم أمرني بالدخول إليه فأتيته فنظرت إليه فأمرني أن ألقاكم وأن أعلمكم أنه حي وأن الذي بلغكم من قتله كان باطلا فقال عمرو وأصحابه فأما إذ لم يقتل فالحمد لله ثم انصرفوا
قال أبو مخنف حدثني الحجاج بن علي عن محمد بن بشر الهمداني قال لما ضرب عبيدالله هانئا وحبسه خشي أن يثب الناس به فخرج فصعد المنبر ومعه أشراف الناس وشرطه وحشمه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد أيها الناس فاعتصموا بطاعة الله وطاعة أئمتكم ولا تختلفوا ولا تفرقوا فتهلكوا وتذلوا وتقتلوا وتجفوا وتحرموا إن أخاك من صدقك وقد أعذر من أنذر
قال ثم ذهب لينزل فما نزل عن المنبر حتى دخلت النظارة المسجد من قبل التمارين يشتدون ويقولون قد جاء ابن عقيل قد جاء ابن عقيل فدخل عبيدالله القصر مسرعا وأغلق أبوابه
Page 286