1366

فلما كثر الكلام بينهما قام مسلم بن عمرو الباهلي وليس بالكوفة شأمي ولا بصري غيره فقال أصلح الله الأمير خلني وإياه حتى أكلمه لما رأى لجاجته وتأبيه على ابن زياد أن يدفع إليه مسلما فقال لهانئ قم إلي ها هنا حتى أكلمك فقام فخلا به ناحية من ابن زياد وهما منه على ذلك قريب حيث يراهما إذا رفعا أصواتهما سمع ما يقولان وإذا خفضا خفي عليه ما يقولان فقال له مسلم يا هانئ إني أنشدك الله أن تقتل نفسك وتدخل البلاء على قومك وعشيرتك فوالله إني لأنفس بك عن القتل وهو يرى أن عشيرته ستحرك في شأنه أن هذا الرجل ابن عم القوم وليسوا قاتليه ولا ضائريه فادفعه إليه فإنه ليس عليك بذلك مخزاة ولا منقصة إنما تدفعه إلى السلطان قال بلى والله إن علي في ذلك للخزي والعار أنا أدفع جاري وضيفي وأنا حي صحيح أسمع وأرى شديد الساعد كثير الأعوان والله لو لم أكن إلا واحدا ليس لي ناصر لم أدفعه حتى أموت دونه فأخذ يناشده وهو يقول والله لا أدفعه إليه أبدا فسمع ابن زياد ذلك فقال أدنوه مني فأدنوه منه فقال والله لتأتيني به أو لأضربن عنقك قال إذا تكثر البارقة حول دارك فقال والهفا عليك أبالبارقة تخوفني وهو يظن أن عشيرته سمنعونه فقال ابن زياد أدنوه مني فأدني فاستعرض وجهه بالقضيب فلم يزل يضرب أنفه وجبينه وخده حتى كسر أنفه وسيل الدماء على ثيابه ونثر لخم خديه وجبينه على لحيته حتى كسر القضيب وضرب هانئ بيده إلى قائم سيف شرطي من تلك الرجال وجابذه الرجل ومنع فقال عبيدالله أحروري سائر اليوم أحللت نفسك قد حل لنا قتلك خذوه فألقوه في بيت من بيوت الدار وأغلقوا عليه بابه واجعلوا عليه حسرا ففعل ذلك به فقام إليه أسماء بن خارجة فقال أرسل غدر سائر اليوم أمرتنا أن نجيئك بالرجل حتى إذا جئناك به وأدخلناه عليك هشمت وجهه وسيلت دمه على لحيته وزعمت أنك تقتله فقال له عبيدالله وإنك لها هنا فأمر به فلهز وتعتع به ثم ترك فحبس

وأما محمد بن الأشعث فقال قد رضينا بما رأى الأمير لنا كان أم علينا إنما الأمير مؤدب وبلغ عمرو بن الحجاج أن هانئا قد قتل فأقبل في مذحج حتى أحاط بالقصر ومعه جمع عظيم ثم نادى أنا عمرو بن الحجاج هذه فرسان مذحج ووجوهها لم تخلع طاعة ولم تفارق جماعة وقد بلغهم أن صاحبهم يقتل فأعظموا ذلك فقيل لعبيدالله هذه مذحج بالباب فقال لشريح القاضي ادخل على صاحبهم فانظر إليه ثم اخرج فأعلمهم أنه حي لم يقتل وأنك قد رأيته فدخل إليه شريح فنظر إليه

فقال أبو مخنف قحدثني الصقعب بن زهير عن عبدالرحمن بن شريح قال سمعته يحدث إسماعيل بن طلحة قال دخلت على هانئ فلما رآني قال يا لله يا للمسلمين أهلكت عشيرتي فأين أهل الدين وأين أهل المصر تفاقدوا يخلوني وعدوهم وابن عدوهم والدماء تسيل على لحيته إذ سمع الرجة على باب القصر وخرجت واتبعني فقال يا شريح إني لأظنها أصوات مذحج وشيعتي من المسلمين إن دخل علي عشرة نفر أنقذوني قال فخرجت إليهم ومعي حميد بن بكير الأحمري أرسله معي ابن زياد وكان من شرطه ممن يقوم على رأسه وايم الله لولا مكانه معي لكنت أبلغت أصحابه ما أمرني به فلما خرجت إليهم قلت إن الأمير لما بلغه مكانكم ومقالتكم في صاحبكم أمرني بالدخول إليه فأتيته فنظرت إليه فأمرني أن ألقاكم وأن أعلمكم أنه حي وأن الذي بلغكم من قتله كان باطلا فقال عمرو وأصحابه فأما إذ لم يقتل فالحمد لله ثم انصرفوا

قال أبو مخنف حدثني الحجاج بن علي عن محمد بن بشر الهمداني قال لما ضرب عبيدالله هانئا وحبسه خشي أن يثب الناس به فخرج فصعد المنبر ومعه أشراف الناس وشرطه وحشمه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد أيها الناس فاعتصموا بطاعة الله وطاعة أئمتكم ولا تختلفوا ولا تفرقوا فتهلكوا وتذلوا وتقتلوا وتجفوا وتحرموا إن أخاك من صدقك وقد أعذر من أنذر

قال ثم ذهب لينزل فما نزل عن المنبر حتى دخلت النظارة المسجد من قبل التمارين يشتدون ويقولون قد جاء ابن عقيل قد جاء ابن عقيل فدخل عبيدالله القصر مسرعا وأغلق أبوابه

Page 286