Tārīkh al-Ṭabarī
تاريخ الطبري
فأقبل مسلم حتى أتى المدينة فصلى في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وودع من احب من أهله ثم استأجر دليلين من قيس فأقبلا به فضلا الطريق وجارا وأصابهم عطش شديد وقال الدليلان هذا الطريق حتى تنتهي إلى الماء وقد كادوا أن يموتوا عطشا فكتب مسلم بن عقيل مع قيس بن مسهر الصيداوي إلى حسين وذلك بالمضيق من بطن الخبيت أما بعد فإني أقبلت من المدينة معي دليلان لي فجارا عن الطريق وضلا واشتد علينا العطش فلم يلبثا ان ماتا وأقبلنا حتى انتهينا إلى الماء فلم ننج إلا بحشاشة أنفسنا وذلك الماء بمكان يدعى المضيق من بطن الخبيت وقد تطيرت من وجهي هذا فإن رأيت أعفيتني منه وبعثت غيري والسلام
فكتب إليه حسين
أما بعد فقد خشيت ألا يكون حملك على الكتاب إلي في الاستعفاء من الوجه الذي وجهتك له إلا الجبن فامض لوجهك الذي وجهتك له والسلام عليك
فقال مسلم لمن قرأ الكتاب هذا ما لست أتخوفه على نفسي فأقبل كما هو حتى مر بماء لطيء فنزل بهم ثم ارتحل منه فإذا رجل يرمي الصيد فنظر إليه قد رمى ظبيا حين أشرف له فصرعه فقال مسلم يقتل عدونا إن شاء الله ثم أقبل مسلم حتى دخل الكوفة فنزل دار المختار بن أبي عبيد وهي التي تدعى اليوم دار مسلم بن المسيب وأقبلت الشيعة تختلف إليه فلما اجتمعت إليه جماعة منهم قرأ عليهم كتاب حسين فأخذوا يبكون
فقام عابس بن أبي شبيب الشاكري فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإني لا أخبرك عن الناس ولا أعلم ما في أنفسهم وما أغرك منهم والله لأحدثنك عما أنا موطن نفسي عليه والله لأجيبنكم إذا دعوتم ولأقاتلن معكم عدوكم ولأضربن بسيف دونكم حتى ألقى الله لا أريد بذلك إلا ما عند الله
فقام حبيب بن مظاهر النقعسي فقال رحمك الله قد قضيت ما في نفسك بواجز من قولك ثم قال وأنا والله الذي لا إله إلا هو على مثل ما هذا عليه
ثم قال الحنفي مثل ذلك فقال الحجاج بن علي فقلت لمحمد بن بشر فهل كان منك أنت قول فقال إن كنت لأحب أن يعز الله أصحابي بالظفر وما كنت لأحب أن أقتل وكرهت أن أكذب
واختلفت الشيعة إليه حتى علم مكانه فبلغ ذلك النعمان بن بشير
قال أبو مخنف حدثني نمير بن وعلة عن أبي الوداك قال خرج إلينا النعمان بن بشير فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فاتقوا الله عباد الله ولا تسارعوا إلى الفتنة والفرقة فإن فيهما يهلك الرجال وتسفك الدماء وتغضب الأموال وكان حليما ناسكا يحب العافية قال إني لم أقاتل من لم يقاتلني ولا أثب على من لا يثب علي ولا أشاتمكم ولا أتحرش بكم ولا أخذ بالقرف ولا الظنة ولا التهمة ولكنكم إن أبديتم صفحتكم لي ونكثتم بيعتكم وخالفتم إمامكم فوالله الذي لا إله غيره لأضربنكم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي ولو لم يكن لي منكم ناصر أما إني أرجو أن يكون من يعرف الحق منكم أكثر ممن يرديه الباطل
قال فقام إليه عبدالله بن مسلم بن سعيد الحضرمي حليف بني أمية فقال إنه لا يصلح ما ترى إلا الغشم إن هذا الذي أنت عليه فيما بينك وبين عدوك رأي المستضعفين فقال أن أكون من المستضعفين في طاعة الله أحب إلي من أن أكون من الأعزين في معصية الله ثم نزل
Page 279