Tārīkh al-Ṭabarī
تاريخ الطبري
قال وازدلف الناس يوم الأربعاء فاقتتلوا كأشد القتال يومهم حتى الليل لا ينصرف بعضهم عن بعض إلا للصلاة وكثرت القتلى بينهم وتحاجزوا عند الليل وكل غير غالب فأصبحوا من الغد فصلى بهم علي غداة الخميس فغلس بالصلاة أشد التغليس ثم بدأ أهل الشأم بالخروج فلما رأوه قد أقبل إليهم خرجوا إليه بوجوههم وعلى ميمنته عبدالله بن بديل وعلى ميسرته عبدالله بن عباس وقراء أهل العراق مع ثلاثة نفر مع عمار بن ياسر ومع قيس بن سعد ومع عبدالله بن بديل والناس على راياتهم ومراكزهم وعلي في القلب في أهل المدينة بين أهل الكوفة وأهل البصرة وعظم من معه من أهل المدينة الأنصار ومعه من خزاعة عدد حسن ومن كنانة وغيرهم من أهل المدينة ثم زحف إليهم بالناس ورفع معاوية قبة عظيمة قد ألقى عليها الكرابيس وبايعه عظم الناس من أهل الشأم على الموت وبعث خيل أهل دمشق فاحتاطت بقبته وزحف عبدالله بن بديل في الميمنة نحو حبيب بن مسلمة فلم يزل يحوزه ويكشف خيله من الميسرة حتى اضطرهم إلى قبة معاوية عند الظهر
قال أبو مخنف حدثني مالك بن أعين عن زيد بن وهب الجهني أن ابن بديل قام في أصحابه فقال ألا إن معاوية ادعى ما ليس أهله ونازع هذا الأمر من ليس مثله وجادل بالباطل ليدحض به الحق وصال عليكم بالأعراب والأحزاب قد زين لهم الضلالة وزرع في قلوبهم حب الفتنة ولبس عليهم الأمر وزادهم رجسا إلى رجسهم وأنتم على نور من ربكم وبرهان مبين فقاتلوا الطغاة الجفاة ولا تخشوهم فكيف تخشونهم وفي أيديكم كتاب الله عز وجل طاهرا مبرورا أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدرو قوم مؤمنين ( 1 ) وقد قاتلناهم مع النبي صلى الله عليه وسلم مرة وهذه ثانية والله ما هم في هذه بأتقى ولا أزكى ولا أرشد قوموا إلى عدوكم بارك الله عليكم فقاتل قتالا شديدا هو وأصحابه
قال أبو مخنف حدثني عبدالرحمن بن أبي عمرة الأنصاري عن أبيه ومولى له أن عليا حرض الناس يوم صفين فقال
إن الله عز وجل قد دلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تشفي بكم على الخير الإيمان بالله عز وجل وبرسوله صلى الله عليه وسلم والجهاد في سبيل الله تعالى ذكره وجعل ثوابه مغفرة الذنب ومساكن طيبة في جنات عدن ثم أخبركم أنه يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص فسووا صفوفكم كالبنيان المرصوص وقدموا الدارع وأفروا الحاسر وعضوا على الأضراس فإنه أنبى للسيوف عن الهام والتووا في أطراف الرماح فإنه أصون للأسنة وغضوا الأبصار فإنه أربط للجأش وأسكن للقلوب وأميتوا الأصوات فإنه أطرد للفشل وأولى بالوقار راياتكم فلا تميلوها ولا تزيلوها ولا تجعلوها إلا بأيدي شجعانكم فإن المانع للذمار والصابر عند نزول الحقائق هم أهل الحفاظ الذين يحفون براياتهم ويكنفونها يضربون حفافيها خلفها وأمامها ولا يضعونها أجزأ امرؤ وقد قرنه رحمكم الله وآسى أخاه بنفسه ولم يكل قرنه إلى أخيه فيكسب بذلك لائمة ويأتي به دناءة وأنى لا يكون هذا هكذا وهذا يقاتل اثنين وهذا ممسك بيده يدخل قرنه على أخيه هاربا منه أو قائما ينظر إليه من يفعل هذا يمقته الله عز وجل فلا تعرضوا لمقت الله سبحانه فإنما مردكم إلى الله قال الله عز من قائل لقوم لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا ( 2 ) وايم الله لئن سلمتم من سيف العاجلة لا تسلمون من سيف الآخرة واستعينوا بالصدق والصبر فإن بعد الصبر ينزل الله النصر
الجد في الحرب والقتال
Page 85