Tārīkh al-Ṭabarī
تاريخ الطبري
وكان معاوية قد قال لعثمان غداة ودعه وخرج يا أمير المؤمنين انطلق معي إلى الشام قبل أن يهجم عليك من لا قبل لك به فإن أهل الشأم على الأمر لم يزالوا فقال أنا لا أبيع جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء وإن كان فيه قطع خيط عنقي قال فأبعث إليك جندا منهم يقيم بين ظهراني أهل المدينة لنائبة إن نابت المدينة أو إياك قال أنا أقتر على جيران رسول الله صلى الله عليه وسلم الأرزاق بجند تساكنهم وأضيق على أهل دار الهجرة والنصرة قال والله يا أمير المؤمنين لتغتالن أو لتغزين قال حسبي الله ونعم الوكيل وقال معاوية يا أيسار الجزور وأين أيسار الجزور ثم خرج حتى وقف على النفر ثم مضى وقد كان أهل مصر كاتبوا أشياعهم من أهل الكوفة وأهل البصرة وجميع من أجابهم أن يثوروا خلاف أمرائهم واتعدوا يوما حيث شخص أمراؤهم فلم يستقم ذلك لأحد منهم ولم ينهض إلا أهل الكوفة فإن يزيد بن قيس الأرحبي ثار فيها واجتمع إليه أصحابه وعلى الحرب يومئذ القعقاع بن عمرو فأتاه فأحاط الناس بهم وناشدوهم فقال يزيد للقعقاع ما سبيلك علي وعلى هؤلاء فوالله إني لسامع مطيع وإني للازم لجماعتي إلا أني أستعفي ومن ترى من إمارة سعيد فقال استعفى الخاصة من أمر قد رضيته العامة قال فذاك إلى أمير المؤمنين فتركهم والاستعفاء ولم يستطيعوا أن يظهروا غير ذلك فاستقبلوا سعيدا فردوه من الجرعة واجتمع الناس على أبي موسى وأقره عثمان رضي الله تعالى عنه ولما رجع الأمراء لم يكن للسبئية سبيل إلى الخروج إلى الأمصار وكاتبوا أشياعهم من أهل الأمصار أن يتوافوا بالمدينة لينظروا فيما يريدون وأظهروا أنهم يأمرون بالمعروف ويسألون عثمان عن أشياء لتطير في الناس ولتحقق عليه فتوافوا بالمدينة وأرسل عثمان رجلين مخزوميا وزهريا فقال انظرا ما يريدون واعلما علمهم وكانا ممن قد ناله من عثمان أدب فاصطبرا للحق ولم يضطغنا فلما رأوهما باثوهما وأخبروهما بما يريدون فقالا من معكم على هذا من أهل المدينة قالوا ثلاثة نفر فقالا هل إلا قالوا لا قالا فكيف تريدون أن تصنعوا قالوا نريد أن نذكر له أشياء قد زرعناها في قلوب الناس ثم نرجع إليهم فنزعم لهم أنا قررناه بها فلم يخرج منها ولم يتب ثم نخرج كأنا حجاج حتى نقدم فنحيط به فنخلعه فإن أبى قتلناه وكانت إياها فرجعا إلى عثمان بالخبر فضحك وقال اللهم سلم هؤلاء فإنك إن لم تسلمهم شقوا أما عمار فحمل على عباس بن عتبة بن أبي لهب وعركه وأما محمد بن أبي بكر فإنه أعجب حتى رأى أن الحقوق لا تلزمه وأما ابن سهلة فإنه يتعرض للبلاء فأرسل إلى الكوفيين والبصريين ونادى الصلاة جامعة وهم عنده في أصل المنبر فأقبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحاطوا بهم فحمد الله وأثنى عليه وأخبرهم خبر القوم وقام الرجلان فقالوا جميعا اقتلهم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من دعا إلى نفسه أو إلى أحد وعلى الناس إمام فعليه لعنة الله فاقتلوه وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا أحل لكم إلا ما قتلتموه وأنا شريككم فقال عثمان بل نعفو ونقبل ونبصرهم بجهدنا ولا نحاد أحدا حتى يركب حدا أو يبدي كفرا إن هؤلاء ذكروا أمورا قد علموا منها مثل الذي علمتم إلا أنهم زعموا أنهم يذاكرونيها ليوجبوها علي عند من لا يعلم وقالوا أتم الصلاة في السفر وكانت لا تتم ألا وإني قدمت بلدا فيه أهلي فأتممت لهذين الأمرين أو كذلك قالوا اللهم نعم وقالوا وحميت حمى وإني والله ما حميت حمي قبلي والله ما حموا شيئا لأحد ما حموا إلا غلب عليه أهل المدينة ثم لم يمنعوا من رعية أحدا واقتصروا لصدقات المسلمين يحمونها لئلا يكون بين من يليها وبين أحد تنازع ثم ما منعوا ولا نحوا منها أحدا إلا من ساق درهما ومالي من بعير غير راحلتين ومالي ثاغية ولا راغية وإني قد وليت وإني أكثر العرب بعيرا وشاء فمالي اليوم شاة ولا بعير غير بعيرين لحجي أكذلك قالوا اللهم نعم وقالوا كان القرآن كتبا فتركتها إلا واحدا ألا وإن القرآن واحد جاء من عند واحد وإنما أنا في ذلك تابع لهؤلاء أكذلك قالوا نعم وسألوه أن يقيلهم وقالوا إني رددت الحكم وقد سيره رسول الله صلى الله عليه وسلم والحكم مكي سيره رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى الطائف ثم رده رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسول الله صلى الله عليه وسلم سيره ورسول الله صلى الله عليه وسلم رده أكذلك قالوا اللهم نعم وقالوا استعملت الأحداث فلم أستعمل إلا مجتمعا محتملا مرضيا وهؤلاء أهل عملهم فسلوهم عنه وهؤلاء أهل بلده ولقد ولى من قبلي أحدث منهم وقيل في ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أشد مما قيل لي في استعماله أسامة أكذاك قالوا اللهم نعم يعيبون للناس ما لا يفسرون وقالوا إني أعطيت ابن أبي سرح ما أفاء الله عليه وإني إنما نفلته خمس ما أفاء الله عليه من الخمس فكان مائة ألف وقد أنفذ مثل ذلك أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فزعم الجند أنهم يكرهون ذلك فرددته عليهم وليس ذاك لهم أكذاك قالوا نعم وقالوا إني أحب أهل بيتي وأعطيهم فأما حبي فإنه لم يمل معهم على جور بل أحمل الحقوق عليهم وأما إعطاؤهم فإني ما أعطيهم من مالي ولا أستحل أموال المسلمين لنفسي ولا لأحد من الناس ولقد كنت أعطي العطية الكبيرة الرغيبة من صلب مالي أزمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما وأنا يومئذ شحيح حريص أفحين أتيت على أسنان أهل بيتي وفني عمري ودعت الذي لي في أهلي قال الملحدون ما قالوا وإني والله ما حملت على مصر من الأمصار فضلا فيجوز ذلك لمن قاله ولقد رددته عليهم وما قدم علي إلا الأخماس ولا يحل لي منها شيء فولي المسلمون وضعها في أهلها دوني ولا يتلفت من مال الله بفلس فما فوقه وما أتبلغ منه ما آكل إلا مالي وقالوا أعطيت الأرض رجالا وإن هذه الأرضين شاركهم فيها المهاجرون والأنصار أيام افتتحت فمن أقام بمكان من هذه الفتوح فهو أسوة أهله ومن رجع إلى أهله لم يذهب ذلك ما حوى الله له فنظرت في الذي يصيبهم مما أفاء الله عليهم فبعته لهم بأمرهم من رجال أهل عقار ببلاد العرب فنقلت إليهم نصيبهم فهو في ايديهم دوني وكان عثمان قد قسم ماله وأرضه في بني أمية وجعل ولده كبعض من يعطى فبدأ ببني أبي العاص فأعطى آل الحكم رجالهم عشرة آلاف عشرة آلاف فأخذوا مائة ألف وأعطى بني عثمان مثل ذلك وقسم في بني العاص وفي بني العيص وفي بني حرب ولانت حاشية عثمان لأولئك الطوائف وأبى المسلمون إلا قتلهم وأبى إلا تركهم فذهبوا ورجعوا إلى بلادهم على أن يغزوه مع الحجاج كالحجاج فتكاتبوا وقالوا موعدكم ضواحي المدينة في شوال حتى إذا دخل شوال من سنة اثنتي عشرة ضربوا كالحجاج فنزلوا قرب المدينة كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وأبي حارثة وأبي عثمان قالوا لما كان في شوال سنة خمس وثلاثين خرج أهل مصر في أربع رفاق على أربعة أمراء المقلل يقول ستمائة والمكثر يقول ألف على الرفاق عبدالرحمن بن عديس البلوي وكنانة بن بشر التجيبي وعروة بن شيبم الليثي وأبو عمروبن بديل بن ورقاء الخزاعي وسواد بن رومان الأصبحي وزرع بن يشكر اليافعي وسودان بن حمران السكوني وقتيرة بن فلان السكوني وعلى القوم جميعا الغافقي بن حرب العكي ولم يجترئوا أن يعلموا الناس بخروجهم إلى الحرب وإنما أخرجوا كالحجاج ومعهم ابن السوداء وخرج أهل الكوفة في أربع رفاق وعلى الرفاق زيد بن صوحان العبدي والأشتر النخعي وزياد بن النضر الحارثي وعبدالله بن الأصم أحد بني عارم بن صعصعة وعددهم كعدد أهل مصر وعليهم جميعا عمرو بن الأصم وخرج أهل البصرة في أربع رفاق وعلى الرفاق حكيم بن جبلة العبدي وذريح بن عباد العبدي وبشر بن شريح الحطم بن ضبيعة القيسي وابن المحرش بن عبد بن عمرو الحنفي وعددهم كعدد أهل مصر وأميرهم جميعا حرقوص بن زهير السعدي سوى من تلاحق بهم من الناس فأما أهل مصر فإنهم كانا يشتهون عليا وأما أهل البصرة فإنهم كانوا يشتهون طلحة وأما أهل الكوفة فإنهم كانوا يشتهون الزبير فخرجوا وهم على الخروج جميع وفي الناس شتى لا تشك كل فرقة إلا أن الفلج معها وأن أمرها سيتم دون الأخريين فخرجوا حتى إذا كانوا من المدينة على ثلاث تقدم ناس من أهل البصرة فنزلوا ذا خشب وناس من أهل الكوفة فنزلوا الأعوص وجاءهم ناس من أهل مصر وتركوا عامتهم بذي المروة ومشى فيما بين أهل مصر وأهل البصرة زياد بن النضر وعبدالله بن الأصم وقالا لا تعجلوا ولا تعجلونا حتى ندخل لكم المدينة ونرتاد فإنه بلغنا أنهم قد عسكروا لنا فوالله إن كان أهل المدينة قد خافونا واستحلوا قتالنا ولم يعلموا علمنا فهم إذا علموا علمنا أشد وإن أمرنا هذا لباطل وإن لم يستحلوا قتالنا ووجدنا الذي بلغنا باطلا لنرجعن إليكم بالخبر قالوا اذهبا فدخل الرجلان فلقيا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وعليا وطلحة والزبير وقالا إنما نأتم هذا البيت ونستعفي هذا الوالي من بعض عمالنا ما جئنا إلا لذلك واستأذناهم للناس بالدخول فكلهم أبى ونهى وقال بيض ما يفرخن فرجعا إليهم فاجتمع من أهل مصر نفر فأتوا عليا ومن أهل البصرة نفر فأتوا طلحة ومن أهل الكوفة نفر فأتوا الزبير وقال كل فريق منهم إن بايعوا صاحبنا وإلا كدناهم وفرقنا جماعتهم ثم كررنا حتى نبغتهم فأتى المصريون عليا وهو في عسكر عند أحجار الزيت عليه حلة أفواف معتم بشقيقة حمراء يمانية متقلد السيف ليس عليه قميص وقد سرح الحسن إلى عثمان فيمن اجتمع إليه فالحسن جالس عند عثمان وعلي عند أحجار الزيت فسلم عليه المصريون وعرضوا له فصاح بهم واطردهم وقال لقد علم الصالحون أن جيش ذي المروة وذي خشب ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم فارجعوا لا صحبكم الله قالوا نعم فانصرفوا من عنده على ذلك وأتى البصريون طلحة وهو في جماعة أخرى إلى جنب علي وقد أرسل ابنيه إلى عثمان فسلم البصريون عليه وعرضوا له فصاح بهم واطردهم وقال لقد علم المؤمنون أن جيش ذي المروة وذي خشب والأعوص ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم وأتى الكوفيون الزبير وهو في جماعة أخرى وقد سرح ابنه عبدالله إلى عثمان فسلموا عليه وعرضوا له فصاح بهم واطردهم وقال لقد علم المسلمون أن جيش ذي المروة وذي خشب والأعوص ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم فخرج القوم وأروهم أنهم يرجعون فانفشوا عن ذي خشب والأعوص حتى انتهوا إلى عساكرهم وهي ثلاث مراحل كي يفترق أهل المدينة ثم يكروا راجعين فافترق أهل المدينة لخروجهم فلما بلغ القوم عساكرهم كروا بهم فبغتوهم فلم يفاجأ أهل المدينة إلا والتكبير في نواحي المدينة فنزلوا في مواضع عساكرهم وأحاطوا بعثمان وقالوا من كف يده فهو آمن وصلى عثمان بالناس أياما ولزم الناس بيوتهم ولم يمنعوا أحدا من كلام فأتاهم الناس فكلموهم وفيهم علي فقال ما ردكم بعد ذهابكم ورجوعكم عن رأيكم قالوا أخذنا مع بريد كتابا بقتلنا وأتاهم طلحة فقال البصريون مثل ذلك وأتاهم الزبير فقال الكوفيون مثل ذلك وقال الكوفيون والبصريون فنحن ننصر إخواننا ونمنعهم جميعا كأنما كانوا على ميعاد فقال لهم علي كيف علمتم يا أهل الكوفة ويا أهل البصرة بما لقي أهل مصر وقد سرتم مراحل ثم طويتم نحونا هذا والله أمر أبرم بالمدينة قالوا فضعوه على ما شئم لا حاجة لنا في الرجل ليعتزلنا وهو في ذلك يصلي بهم وهم يصلون خلفه ويغشى من شاء عثمان وهم في عينه أدق من التراب وكانوا لا يمنعون أحدا من الكلام وكانوا زمرا بالمدينة يمنعون الناس من الاجتماع وكتب عثمان إلى أهل الأمصار يستمدهم بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإن الله عز وجل بعث محمدا بالحق بشيرا ونذيرا فبلغ عن الله ما أمره به ثم مضى وقد قضى الذي عليه وخلف فينا كتابه فيه حلاله وحرامه وبيان الأمور التي قدر فأمضاها على ما أحب العباد وكرهوا فكان الخليفة أبو بكر رضي الله عنه وعمر رضي الله عنه ثم أدخلت في الشورى عن غير علم ولا مسألة عن ملإ من الأمة ثم أجمع أهل الشورى عن ملإ منهم ومن الناس علي على غير طلب مني ولا محبة فعملت فيهم ما يعرفون ولا ينكرون تابعا غير مستتبع متبعا غير مبتدع مقتديا غير متكلف فلما انتهت الأمور وانتكث الشر بأهله بدت ضغائن وأهواء على غير إجرام ولا ترة فيما مضى إلا إمضاء الكتاب فطلبوا أمرا وأعلنوا غيره بغير حجة ولا عذر فعابوا علي أشياء مما كانوا يرضون وأشياء عن ملإ من أهل المدينة لا يصلح غيرها فصبرت لهم نفسي وكففتها عنهم منذ سنين وأنا أرى وأسمع فازدادوا على الله عز وجل جرأة حتى أغاروا علينا في جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرمه وأرض الهجرة وثابت إليهم الأعراب فهم كالأحزاب أيام الأحزاب أو من غزانا بأحد إلا ما يظهرون فمن قدر على اللحاق بنا فليلحق فأتى الكتاب أهل الأمصار فخرجوا على الصعبة والذلول فبعث معاوية حبيب بن مسلمة الفهري وبعث عبدالله بن سعد معاوية بن حديج السكوني وخرج من أهل الكوفة القعقاع بن عمرو وكان المحضضين بالكوفة على إعانة أهل المدينة عقبة بن عمرو وعبدالله بن أبي أوفى وحنظلة بن الربيع التميمي في أمثالهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكان المحضضين بالكوفة من التابعين أصحاب عبدالله مسروق بن الأجدع والأسود بن يزيد وشريح بن الحارث وعبدالله بن عكيم في أمثالهم يسيرون فيها ويطوفون على مجالسها يقولون يا أيها الناس إن الكلام اليوم وليس به غدا وإن النظر يحسن اليوم ويقبح غدا وإن القتال يحل اليوم ويحرم غدا انهضوا إلى خليفتكم وعصمة أمركم وقام بالبصرة عمران بن حصين وأنس بن مالك وهشام بن عامر في أمثالهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون مثل ذلك ومن التابعين كعب بن سور وهرم بن حيان العبدي وأشباه لهما يقولون ذلك وقام بالشأم عبادة بن الصامت وأبو الدرداء وأبو أمامة في أمثالهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون مثل ذلك ومن التابعين شريك بن خباشة النميري وأبو مسلم الخولاني وعبدالرحمن بن غنم بمثل ذلك وقام بمصر خارجة في أشباه له وقد كان بعض المحضضين قد شهد قدومهم فلما رأوا حالهم انصرفوا إلى أمصارهم بذلك وقاموا فيهم ولما جاءت الجمعة التي على أثر نزول المصريين مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عثمان فصلى بالناس ثم قام على المنبر فقال يا هؤلاء العدى الله الله فوالله إن أهل المدينة ليعلمون أنكم ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم فامحوا الخطايا بالصواب فإن الله عز وجل لا يمحو السيء إلا بالحسن فقام محمد بن مسلمة فقال أنا أشهد بذلك فأخذه حكيم بن جبلة فأقعده فقام زيد بن ثابت فقال ابغني الكتاب فثار إليه من ناحية أخرى محمد بن أبي قتيرة فأقعده وقال فأفظع وثار القوم بأجمعهم فحصبوا الناس حتى أخرجوهم من المسجد وحصبوا عثمان حتى صرع عن المنبر مغشيا عليه فاحتمل فأدخل داره وكان المصريون لا يطمعون في أحد من أهل المدينة أن يساعدهم إلا في ثلاثة نفر فإنهم كانوا يراسلونهم محمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حذيفة وعمار بن ياسر وشمر أناس من الناس فاستقتلوا منهم سعد بن مالك وأبو هريرة وزيد بن ثابت والحسن بن علي فبعث إليهم عثمان بعزمه لما انصرفوا فانصرفوا وأقبل علي عليه السلام حتى دخل على عثمان وأقبل طلحة حتى دخل عليه وأقبل الزبير حتى دخل عليه يعودونه من صرعته ويشكون بثهم ثم رجعوا إلى منازلهم كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن أبي عمرو عن الحسن قال قلت له هل شهدت حصر عثمان قال نعم وأنا يومئذ غلام في أتراب لي في المسجد فإذا كثر اللغط جثوت على ركبتي او قمت فأقبل القوم حين أقبلوا حتى نزلوا المسجد وما حوله فاجتمع إليهم أناس من أهل المدينة يعظمون ما صنعوا وأقبلوا على أهل المدينة يتوعدونهم فبينا هم كذلك في لغطهم حول الباب فطلع عثمان فكأنما كانت نار طفئت فعمد إلى المنبر فصعده فحمد الله واثنى عليه فثار رجل فأقعده رجل وقام آخر فأقعده آخر ثم ثار القوم فحصبوا عثمان حتى صرع فاحتمل فأدخل فصلى بهم عشرين يوما ثم منعوه من الصلاة كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وأبي حارثة وأبي عثمان قالوا صلى عثمان بالناس بعد ما نزلوا به في المسجد ثلاثين يوما ثم إنهم منعوه الصلاة فصلى بالناس أميرهم الغافقي دان له المصريون والكوفيون والبصريون وتفرق أهل المدينة في حيطانهم ولزموا بيوتهم لا يخرج أحد ولا يجلس إلا وعليه سيفه يمتنع به من رهق القوم وكان الحصار أربعين يوما وفيهن كان القتل ومن تعرض لهم وضعوا فيه السلاح وكانوا قبل ذلك ثلاثين يوما يكفون وأما غير سيف فإن منهم من قال كانت مناظرة القوم عثمان وسبب حصارهم إياه ما حدثني به يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا معتمر بن سليمان التيمي قال حدثنا أبي قال حدثنا أبو نضرة عن أبي سعيد مولى أبي أسيد الأنصاري قال سمع عثمان أن وفد أهل مصر قد أقبلوا قال فاستقبلهم وكان في قرية له خارجة من المدينة أو كما قال فلما سمعوا به أقبلوا نحوه إلى المكان الذي هو فيه قال وكره أن يقدموا عليه المدينة أو نحوا من ذلك قال فأتوه فقالوا له ادع بالمصحف قال فدعا بالمصحف قال فقالوا له افتح التاسعة قال وكانوا يسمون سورة يونس التاسعة قال فقرأها حتى أتى على هذه الآية قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون ( 1 ) قال قالوا له قف فقالوا له أرأيت ما حميت من الحمى آلله أذن لك أم على الله تفتري قال فقال امضه نزلت في كذا وكذا قال وأما الحمى فإن عمر حمى الحمى قبلي لإبل الصدقة فلما وليت زادت إبل الصدقة فزدت في الحمى لما زاد في إبل الصدقة امضه قال فجعلوا يأخذونه بالآية فيقول امضه نزلت في كذا وكذا قال والذي يتولى كلام عثمان يومئذ في سنك قال يقول أبو نضرة يقول ذاك لي أبو سعيد قال أبو نضرة وأنا في سنك يومئذ قال ولم يخرج وجهي يومئذ لا أدري ولعله قد قال مرة أخرى وأنا يومئذ ابن ثلاثين سنة ثم أخذوه بأشياء لم يكن عنده منها مخرج قال فعرفها فقال أستغفر الله وأتوب إليه قال فقال لهم ما تريدون قال فأخذوا ميثاقه قال وأحسبه قال وكتبوا عليه شرطا قال وأخذ علهيم ألا يشقوا عصا ولا يفارقوا جماعة ما قام لهم بشرطهم أو كما أخذوا عليه قال فقال لهم ما تريدون قالوا نريد ألا يأخذ أهل المدينة عطاء فإنما هذا المال لمن قاتل عليه ولهؤلاء الشيوخ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فرضوا بذلك وأقبلوا معه إلى المدينة راضين قال فقام فخطب فقال إني ما رأيت والله وفدا في الأرض هم خير لحوباتي من هذا الوفد الذين قدموا علي وقد قال مرة أخرى خشيت من هذا الوفد من أهل مصر ألا من كان له زرع فليلحق بزرعه ومن كان له ضرع فليحتلب ألا إنه لا مال لكم عندنا إنما هذا المال لمن قاتل عليه ولهؤلاء الشيوخ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فغضب الناس وقالوا هذا مكر بني أمية قال ثم رجع الوفد المصريون راضين فبينا هم في الطريق إذا هم براكب يتعرض لهم ثم يفارقهم ثم يرجع إليهم ثم يفارقهم ويتبينهم قال قالوا له مالك إن لك لأمرا ما شأنك قال فقال أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر ففتشوه فإذا هم بالكتاب على لسان عثمان عليه خاتمه إلى عامله بمصر أن يصلبهم أو يقتلهم أو يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف قال فأقبلوا حتى قدموا المدينة قال فأتوا علينا فقالوا ألم تر إلى عدو الله إنه كتب فينا بكذا وكذا وإن الله قد أحل دمه قم معنا إليه قال والله لا أقوم معكم إلى أن قالوا فلم كتبت إلينا فقال والله ما كتبت إليكم كتابا قط قال فنظر بعضهم إلى بعض ثم قال بعضهم لبعض ألهذا تقاتلون أو لهذا تغضبون قال فانطلق علي فخرج من المدينة إلى قرية قال فانطلقوا حتى دخلوا على عثمان فقالوا كتبت فينا بكذا وكذا قال فقال إنما هما اثنتان أن تقيموا علي رجلين من المسلمين أو يميني بالله الذي لا إله إلا هو ما كتبت ولا أمللت ولا علمت قال وقد تعلمون أن الكتاب يكتب على لسان الرجل وقد ينقش الخاتم على الخاتم قال فقالوا فقد والله أحل الله دمك ونقضت العهد والميثاق قال فحاصروه وأما الواقدي فإنه ذكر في سبب مسير المصريين إلى عثمان ونزولهم ذا خشب أمورا كثيرة منها ما قد تقدم ذكريه ومنها ما أعرضت عن ذكره كراهة مني لبشاعته ومنها ما ذكر أن عبدالله بن جعفر حدثه عن أبي عون مولى المسور قال كان عمرو بن العاص على مصر عاملا لعثمان فعزله عن الخراج واستعمله على الصلاة واستعمل عبدالله بن سعد على الخراج ثم جمعهما لعبدالله بن سعد فلما قدم عمرو بن العاص المدينة جعل يطعن على عثمان فأرسل إليه يوما عثمان خاليا به فقال يا بن النابغة ما أسرع ما قمل جربان جبتك إنما عهدك بالعمل عاما أول أتطعن علي وتأتيني بوجه وتذهب عني بآخر والله لولا أكلة ما فعلت ذلك قال فقال عمرو إن كثيرا مما يقول الناس وينقلون إلى ولاتهم باطل فاتق الله يا أمير المؤمنين في رعيتك فقال عثمان والله لقد استعملتك على ظلعك وكثرة القالة فيك فقال عمرو قد كنت عاملا لعمر بن الخطاب ففارقني وهو عني راض قال فقال عثمان وأنا والله لو آخذتك بما آخذك به عمر لاستقمت ولكني لنت عليك فاجترأت علي أما والله لأنا أعز منك نفرا في الجاهلية وقبل أن ألي هذا السلطان فقال عمرو دع عنك هذا فالحمد لله الذي أكرمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم وهدانا به قد رأيت العاصي بن وائل ورأيت أباك عفان فوالله للعاص كان أشرف من أبيك قال فانكسر عثمان وقال ما لنا ولذكر الجاهلية قال وخرج عمرو ودخل مروان فقال يا أمير المؤمنين وقد بلغت مبلغا يذكر عمرو بن العاص أباك فقال عثمان دع هذا عنك من ذكر آباء الرجال ذكروا أباه قال فخرج عمرو من عند عثمان وهو محتقد عليه يأتي عليا مرة فيؤلبه على عثمان ويأتي الزبير مرة فيؤلبه على عثمان ويأتي طلحة مرة فيؤلبه على عثمان ويعترض الحاج فيخبرهم بما أحدث عثمان فلما كان حصر عثمان الأول خرج من المدينة حتى انتهى إلى أرض له بفلسطين يقال لها السبع فنزل في قصر له يقال له العجلان وهو يقول العجب ما يأتينا عن ابن عفان قال فبيا هو جالس في قصره ذلك ومعه ابناه محمد وعبدالله وسلامة بن روح الجذامي إذ مر بهم راكب فناداه عمرو من أين قدم الرجل فقال من المدينة قال ما فعل الرجل يعني عثمان قال تركته محصورا شديد الحصار قال عمرو أنا أبو عبدالله قد يضرط العير والمكواة في النار فلم يبرح مجلسه ذلك حتى مر به راكب آخر فناداه عمرو ما فعل الرجل يعني عثمان قال قتل قال أنا أبو عبدالله إذا حككت قرحة نكأتها إن كنت لأحرض عليه حتى إني لأحرض عليه الراعي في غنمه في رأس الجبل فقال له سلامة بن روح يا معشر قريش إنه كان بينكم وبين العرب باب وثيق فكسرتموه فما حملكم على ذلك فقال أردنا أن نخرج الحق من حافرة الباطل وأن يكون الناس في الحق شرعا سواء وكانت عند عمرو أخت عثمان لأمه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ففارقها حين عزله قال محمد بن عمر وحدثني عبدالله بن محمد عن أبيه قال كان محمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حذيفة بمصر يحرضان على عثمان فقدم محمد بن أبي بكر وأقام محمد بن أبي حذيفة بمصر فلما خرج المصريون خرج عبدالرحمن بن عديس البلوي في خمسمائة وأظهروا أنهم يريدون العمرة وخرجوا في رجب وبعث عبدالله بن سعد رسولا سار إحدى عشرة ليلة يخبر عثمان أن ابن عديس وأصحابه قد وجهوا نحوه وأن محمد بن أبي حذيفة شيعهم إلى عجرود ثم رجع وأظهر محمد أن قال خرج القوم عمارا وقال في السر خرج القوم إلى إمامهم فإن نزع وإلا قتلوه وسار القوم المنازل لم يعدوها حتى نزلوا ذا خشب وقال عثمان قبل قدومهم حين جاءه رسول عبدالله بن سعد هؤلاء قوم من أهل مصر يريدون بزعمهم العمرة والله ما أراهم يريدونها ولكن الناس قد دخل بهم وأسرعوا إلى الفتنة وطال عليهم عمري أما والله لئن فارقتهم ليتمنون أن عمري كان طال عليهم مكان كل يوم بسنة مما يرون من الدماء المسفوكة والإحن والأثرة الظاهرة والأحكام المغيرة
قال فلما نزل القوم ذا خشب جاء الخبر أن القوم يريدون قتل عثمان إن لم ينزع وأتى رسولهم إلى علي ليلا وإلى طلحة وإلى عمار بن ياسر وكتب محمد بن أبي حذيفة معهم إلى علي كتابا فجاؤوا بالكتاب إلى علي فلم يظهر على ما فيه فلما رأى عثمان ما رأى جاء عليا فدخل عليه بيته فقال يابن عم إنه ليس لي مترك وإن قرابتي قريبة ولي حق عظيم عليك وقد جاء ما ترى من هؤلاء القوم وهم مصبحي وأنا أعلم أن لك عند الناس قدرا وأنهم يسمعون منك فأنا أحب أن تركب إليهم فتردهم عني فإني لا أحب أن يدخلوا علي فإن ذلك جرأة منهم علي وليسمع بذلك غيرهم فقال علي علام أردهم قال على أن أصير إلى ما أشرت به علي ورأيته لي ولست أخرج من يديك فقال علي إني قد كنت كلمتك مرة بعد مرة فكل ذلك نخرج فتكلم ونقول وتقول وذلك كله فعل مروان بن الحكم وسعيد بن العاص وابن عامر ومعاوية أطعتهم وعصيتني قال عثمان فإني أعصيهم وأطيعك قال فأمر الناس فركبوا معه المهاجرون والأنصار قال وأرسل عثمان إلى عمار بن ياسر يكلمه أن يركب مع علي فأبى فأرسل عثمان إلى سعد بن أبي وقاص فكلمه أن يأتي عمارا فيكلمه أن يركب مع علي قال فخرج سعد حتى دخل على عمار
Page 657