Tarajim Misriyya Wa Gharbiyya
تراجم مصرية وغربية
Genres
لكن هذا الوحي والإلهام لا يكون إلا إذا استعد الرجال لتلقيه، وإذا كان لدعوة قاسم أن تنجح في ميدان تحرير المرأة وأن تجعل من المصرية مثلما كانت أخت رينان أو زوجة جون ستوارت ميل أو شبيهاتهما من النساء اللواتي أوحين إلى النوابغ ما غير وجه التاريخ، فلا بد من إعداد الرجال لتلقي هذا الإلهام السامي ولإبرازه فيما يجب أن يبرز فيه من قوة، وذلك لم يكن ممكنا والتعليم العالي - كما كان يومئذ - مقصور على أن يعد موظفين للحكومة وللأعمال الحرة ممن لا يرون العلم إلا وسيلة للكسب «ويعملون على مبدأ (اكسب كثيرا واتعب قليلا) وليس فيهم العامل المحب لعمله أو فنه والعاشق الذي تحتل شهوة العمل كل قلبه وتتمدد فيه وتملؤه برمته»، أمثال هؤلاء لا يوحي إليهم جمال العالم فكرة جديدة ولا يرتجون من الحياة إلا اعتزازا بمنصب أو بمال طائل يحصلونه، وهؤلاء لا يمكن أن تنهض أمة بهم لترقى إلى سبيل الكمال، فأما الفئة التي «تطلب العلم حبا للحقيقة وشوقا إلى اكتشاف المجهول، الفئة التي يكون مبدؤها التعليم للتعلم» والتي تحس جمال الحياة في مختلف مظاهره، الفئة التي ترى في المرأة الجميلة المهذبة معوانا على النهوض بالجماعة، هذه الفئة لا تكون إلا حين توجد الجامعة وحين يوجد التعليم الجامعي، وهذه الفكرة هي الأساس الذي دعا قاسما للتعاون مع صديقه سعد زغلول ومع أركان نهضة مصر ليؤسسوا الجامعة المصرية التي استظلت لجنتها برياسة سعد باشا زغلول حتى ترك منصبه كمستشار في الاستئناف وعين وزيرا للمعارف فحل محله قاسم أمين في رياسة اللجنة إلى أن عاجلته المنية.
وقد ظل قاسم عاملا مع أصحابه مجدا يستنهض الهمم ويجمع الأموال ويهيئ كل أسباب نجاح الجامعة، وقد بين فكرته عنها في خطاب ألقاه بمنزل المغفور له حسن باشا زايد بالمنوفية لمناسبة وقفه خمسين فدانا للجامعة قال فيه: «إن الوطنية الصحيحة لا تتكلم كثيرا ولا تعلن عن نفسها، عاش آباؤنا وعملوا على قدر طاقاتهم وخدموا بلادهم وحاربوا الأمم وفتحوا البلاد ولم نسمع أنهم كانوا يفتخرون بحب وطنهم، فيحسن بنا أن نقتدي بهم فنهجر القول ونعتمد على العمل .
نحن لا يمكننا أن نكتفي الآن بأن يكون طلب العلم في مصر وسيلة لمزاولة صناعة أو الالتحاق بوظيفة، بل نطمع في أن نرى بين أبناء وطننا طائفة تطلب العلم حبا للحقيقة وشوقا إلى اكتشاف المجهول، فئة يكون مبدؤها التعلم للتعلم، نود أن نرى من أبناء مصر - كما نرى في البلاد الأخرى - عالما يحيط بكل العلم الإنساني واختصاصيا أتقن فرعا مخصوصا من العلم ووقف نفسه على الإلمام بجميع ما يتعلق به، وفيلسوفا اكتسب شهرة عامة، وكاتبا ذاع صيته في العالم، وعالما يرجع إليه في حل المشكلات ويحتج برأيه، أمثال هؤلاء هم قادة الرأي العام عند الأمم الأخرى والمرشدون إلى طرق نجاحها والمدبرون لحركة تقدمها، فإذا عدمتهم أمة حل محلهم الناصحون الجاهلون والمرشدون الدجالون.
إن عدم استعداد طلبة العلم لحب العلم ذاته هو عيب عظيم فينا يجب أن نفكر في إزالته، وهو نتيجة من نتائج التربية المنزلية التي غفلت عن تربية إحساسنا وأهملت تربية قلوبنا فأصبحنا ماديين لا نهتم إلا بالنتائج في جميع أمورنا، حتى في الأشياء التي يجب بطبيعتها أن تكون بعيدة عن الفوائد كعلاقات الأقارب والأصحاب.
إن الارتقاء في الإنسان تابع على الخصوص لإحساسه، وإن أكثر الناس استعدادا للكمال هم أصحاب الإحساس الذين تهتز أعصابهم المتوترة بملامسة الحوادث وتبلغ منهم الانفعالات النفسية مبلغا عظيما فيظهر أثرها فيهم بكثرة وشدة، أولئك هم السعداء الأشقياء الذين يتمتعون ويتألمون، أولئك هم السابقون في ميدان الحياة، تراهم في الصف الأول مخاطرين بأنفسهم يتنافسون في مصادمة كل صعوبة، من بينهم تنتخب القدرة الحكيمة خيرهم وتوحي إليه أسرارها فيصير شاعرا بليغا أو عالما حكيما أو وليا طاهرا أو نبيا كريما.
ولي أمل عظيم أن يكون إنشاء الجامعة المصرية سببا في ظهور شبيبة هذا الجيل وما يليه على أحسن مثال.»
كان أول أمل لقاسم من إنشاء الجامعة إذا هو الأمل العلمي البحت، هو تكوين فئة للبحث وراء الحقيقة شوقا إليها وحرصا على كشف ما يحيط بهذا العالم من الأسرار، وهذه الحقيقة لا يصل إليها أولئك المشغولون بأسباب الرزق العاكفون على السعي لها والدأب في سبيلها، وإنما تصل إليها بيئة علمية يتصل الطالب فيها بالأستاذ اتصال دراسة واتصال بحث، اتصال تعليم واتصال تضامن في زيادة ثروة الإنسانية العلمية، هذه الثروة النورانية التي تضيء ما حولها لتهتك حجب الجهل وما يجره وراءه من جمود وتعصب ونفاق، والتي تهدي الإنسانية سبيل السعادة بما تكشف لها من جمال الوجود، ولعل أكبر رجاء قاسم كان أن يتناول هذا البحث آداب مصر بغية الوصول إلى تركيز أدب قومي صالح يجدد الأدب العربي الذي كان متداولا إلى عصره، وقد كانت لقاسم في تجديد اللغة والأدب آراء لا تقل تقدما عن آرائه في مسألة المرأة وتحريرها، وكان يرى «أن اللغة العربية مرت عليها القرون الطويلة وهي واقفة في مكانها لا تتقدم خطوة إلى الأمام، بينا أخذت اللغات الأوربية تتحول وترتقي كلما تقدم أهلها في الآداب والعلوم حتى أصبحت النموذج المطلوب في السهولة والإيضاح والدقة والحركة والرشاقة، وصارت أنفس جوهرة في تاج التمدن الحديث»، وفي كلماته كثير عما كان يراه من أوجه النقص في اللغة ووسائل علاج هذا النقص قال: «لم أر بين جميع من عرفتهم شخصا يقرأ كل ما يقع تحت نظره من غير لحن، أليس هذا برهانا كافيا على وجوب إصلاح اللغة العربية، لي رأي في الإعراب أذكره هنا بوجه الإجمال وهو أن تبقى أواخر الكلمات ساكنة لا تتحرك بأي عامل من العوامل، بهذه الطريقة - وهي طريقة جميع اللغات الإفرنجية واللغة التركية أيضا - يمكن حذف قواعد النواصب والجوازم والحال والاشتغال ... إلخ، بدون أن يترتب عليه إخلال باللغة إذ تبقى مفرداتها كما هي.»
ولم يكن جزعه على الأدب بأقل من نفوره من جمود اللغة، فكم نعى على الكتاب والشعراء اقتصارهم على «تكرار أفكار الغير التي حفظوها كما يحفظ الأطفال القرآن»، وكم أسف على الفتور العقلي الذي يجعلك «إذا اجتمعت في اليوم بعشرين رجلا من معارفك تسمع من التسعة عشر الآخرين ما سمعته من الأول، ولا تجد في الجريدة التي تقرؤها أو تسمع من الصاحب الذي تقابله فكرة غريبة أو تعبيرا جديدا أو أسلوبا مبتدعا، لا تجد النابغة الذي يدهشك ويجذبك بعجائب جنونه»، وكم استهجن الأساليب التي تقتصر على المحسنات اللفظية ودعا إلى جدة تخرج بالكاتبين من ذلك النوع البالي الذي لا يعرف البحث والتحليل والتسمع على النفس والمشاعر ووصف بدائع الطبيعة مكتفيا بالعبارات المحفوظة التي توارثوها عن كتاب العرب أيام مجدهم، وإنك لتجد فيما خلف قاسم صورة من هذا الأدب الجديد الذي يدعو هو إليه والذي غزا ميدان التحرير والكتابة فأصبح أدب هذا العصر الحاضر، ولئن كنا ما نزال نرجو للأساليب الجديدة ثروة وقوة فإن فضلا كبيرا يرجع لقاسم في هذه الجدة التي دعا إليها، والتي كان يرجو أن تبدع فيها الجامعة التي جاهد في إنشائها، والتي قامت بعد موته قوة تقربها من المثل الأعلى الذي يرجوه.
واختطف الموت فجأة قاسما وما يزال في ربيع قوته، مات بالسكتة القلبية بعد أمسية قدم فيها طالبات رومانيات في نادي المدارس العليا، مات وهو في ميدان هذا الجهاد الشاق الذي خاض غماره وحمل أعباءه بقوة وعزيمة لم يتطرق إليهما كلال، فقد وقف الرأي العام في وجهه على أثر نشر كتاب تحرير المرأة، ولم يكن هذا الرأي العام مقصورا على السواد ولا على الجامدين، بل ساير هؤلاء كثيرون ممن يزعمون أنهم يفهمون الرأي واحترامه والحرية وقداستها، بل ممن كانوا مقتنعين بصواب رأي قاسم، وبلغ الأمر أن حرم قصر عابدين عليه، ولم يثبطه شيء من هذا ولم يبال بذم الناس «بل وجد فيه نوعا من حماسة الغضب منبها لأعصابه منشطا لقواه مغريا إياه بالاستمرار والثبات»، ورد على خصومه بكتاب «المرأة الجديدة» ثم قام بالمجهود العظيم الذي قام به في إنشاء الجامعة، وكان في إبان ذلك كله ساكن النفس مطمئن الضمير محبا للحياة وجمالها غير بخيل على نفسه بحظ من ذلك يناله في رفق ما كان بعيدا عن مصر، فإذا عاد إليها اقتصر على أصدقائه القليلين الذين كانوا «يخففون عليه حمل الحياة ويرغبونه في بقائها».
مات فجأة في ليل 23 أبريل سنة 1908 فأثار خبر وفاته في نفوس الناس جميعا، أصدقائه وخصومه، رنة حزن وأسى، واجتمع لتشييع رفاته كل ذوي الرأي في مصر، وكانت جنازته مظهرا صامتا لإجلال الوطن وتقديره العاملين من رجاله، وغادر هذا العالم تاركا وراءه ذكرا باقيا هو ذكر الصدق والإخلاص لبلاده لم يبتغ عليهما في حياته أجرا من جاه أو نشب، فكان أجره عليهما الخلود بعد موته في ضمير الأجيال المتعاقبة، ذلك بأنه رفع لواء الحرية الصحيحة والعدل في أسمى معانيه، وبعث إلى الروح المصرية حياة جديدة تكفل لها بلوغ ما ترجوه بين جماعة الأمم المتحضرة.
Unknown page