Tarajim Misriyya Wa Gharbiyya
تراجم مصرية وغربية
Genres
ثم إنه جعل أساس دعوته فضلا عن ذلاقة لسانه لوحة فنية بديعة لم يذكر لنا مؤرخوه من الذي نقشها ومن الذي أمر بنقشها، وتمثل هذه اللوحة فرنسا واقفة في قوس نصر قام على نصب رفيع يجري النيل من تحته، وقد قامت مصر على شاطئه مقيدة يحرسها جندي بريطاني، وتقدم جماعة من المصريين إلى فرنسا يستنجدونها لتفك إسار وطنهم، ونقش على اللوحة بالعربية وبالفرنسية هذه الأبيات:
أفرنسا يا من رفعت البلايا
عن شعوب تهزها ذكراك
انصري مصر إن مصر بسوء
واحفظي النيل من مهاوي الهلاك
وانشري في الورى الحقائق حتى
تجتلي الخير أمة تهواك
ومن هذه اللوحة طبعت ألوف وزعت في أنحاء العالم ونشرت في كل صحيفة بعد أن قدمها مصطفى كامل بعريضة إلى رئيس مجلس النواب الفرنسي نيابة عن المجلس، ومما جاء في هذه العريضة قوله:
جاءت الأمة المصرية تستغيث بهذه الأمة الكريمة - فرنسا - التي حررت عدة من الأمم، فهل تجاب إلى استغاثتها وتضرعها؟ وهل لفرنسا أن تؤيد بهذا العمل الجليل مكانتها في العالم الإسلامي الواثق بها؟ على أن ذكر اسم مصر عندما تكون حرة مستقلة بجانب الأمم العديدة التي حررتها فرنسا ليس بالفخار القليل لها، فلتحيا فرنسا محررة الأمم.
كان لهذا العمل الذي قام به مصطفى كامل نيابة عما سماه الحزب الوطني ضجة كبيرة في العالم لفتت إليه الأنظار من كل صوب وجعلت الصحف في مختلف الدول تهتف باسمه، خلا الصحف الإنجليزية التي تناولت هذا العمل بالتقريع وعزته إلى مقامات خاصة في مصر، وشد هذا النجاح الأول من عزيمة مصطفى كامل، ومكن له من الاتصال بكبار الساسة وما يزال في مقتبل شبابه، وزاده جرأة وإقداما فجعل يطوف عواصم أوربا يتحدث فيها إلى الصحفيين والساسة مذكرا إياهم بوعود إنجلترا بالجلاء عن مصر وبمصالح دولهم في أن يتم هذا الجلاء، ثم عاد إلى باريس فنشر فيها رسالة عن أخطار الاحتلال الإنجليزي لمصر، وفي 13 نوفمبر سنة 1895 كتب إلى لورد سالسبري ردا على خطاب كان الوزير الإنجليزي قد ألقاه في جلد هول عن سياسة أوربا نحو تركيا، وفي خطابه دافع مصطفى كامل عن المسلمين وعن دولة الخلافة، وفي 3 يناير سنة 1896 كتب إلى المستر جلادستون يطلب إليه - برغم وجوده بعيدا عن الحكم - تصريحا في شأن مصر؛ فأجابه جلادستون بخطاب وردت فيه العبارة المأثورة: «وافى زمن الجلاء فيما أعلم منذ سنين.» وعاد بعد ذلك إلى مصر حيث أقام بها حتى أغسطس إذ شد رحاله إلى أوربا من جديد، وفي أثناء مقامه بمصر ألقى خطابه الأول بالإسكندرية كما كثر المتصلون به من المصريين، وفي هذه الفترة أيضا نشرت له جريدة الإكلير الفرنسية التي تصدر بباريس حديثا عن الحملة المصرية الإنجليزية إلى السودان معتبرا إياها وسيلة إلى إطالة أمد الاحتلال الإنجليزي إطالة لا نهاية لها، وفي هذه الفترة أيضا اتصل علنا بالخديو اتصالا زاد العلاقات بين لورد كرومر وعباس توترا، ثم سافر في أول أغسطس إلى باريس حيث استمر هناك في نشر الدعوة لمصر على أمل أن يحمل فرنسا وغيرها من دول أوربا على التدخل لمصلحتها، وفي هذه المرة كان يذكر الخديو عباس ويموله نحو مصر وأن «خطته هي انتظار الظروف ليستعد أحسن استعداد للوثوب والنزال لاسترداد حقوق البلاد المهضومة»، ولم يغفل ذكر المسلمين والخليفة، وبعد أن قام بنشر الدعوة في باريس سافر إلى برلين ومنها إلى فيينا فالأستانة حيث وصلها في أواخر أكتوبر وقابل فيها جلالة السلطان، قال في كتاب له إلى أخيه علي فهمي كامل: «وكان جلالته - كما أبلغني الباشكاتب - يود الإنعام علي برتبة أو نيشان ولكني أظهرت عدم رغبتي في شيء من ذلك حتى لا تروج بضاعة الأعداء ضدي ويتهمني أبناء الوطن العزيز بالعمل حبا في الظهور وفي مثل هذه الألقاب الكاذبة.»
Unknown page