Tamhīd li-tārīkh al-falsafa al-islāmiyya
تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية
Genres
54
بل قد روي أن النبي
صلى الله عليه وسلم ، نهى الصحابة لما رآهم يتكلمون في مسألة القدر وقال: «إنما هلك من قبلكم بخوضهم في هذا.»
وذلك يدل على أن مسألة القدر كانت أول ما خاض فيه المسلمون وتجادلوا من مسائل الاعتقاد.
وقد قال العلماء: إن أول من تكلم في القدر ودعا إليه معبد الجهني، ثم أبو مروان غيلان بن مسلم الدمشقي. قال ابن قتيبة في «كتاب المعارف»: «غيلان الدمشقي: كان قبطيا قدريا لم يتكلم أحد قبله في القدر ودعا إليه إلا معبد الجهني، وكان غيلان يكنى «أبا مروان»، وأخذه هشام بن عبد الملك (المتوفى سنة 125ه/743) وصلبه بباب دمشق.»
55
وفي هذا العهد ظهرت طائفة تكفر مرتكب الكبيرة، وطائفة تقول لا يضر مع الإيمان كبيرة، وقالت فرقة المعتزلة بالمنزلة بين المنزلتين، وأخذ الجدل في هذه المسائل ينتشر وينحو منحى كلاميا.
قال طاش كبرى زاده في «مفتاح السعادة»: «فاعلم أن مبدأ شيوع الكلام كان بأيدي المعتزلة والقدرية في حدود المائة من الهجرة؛ لأن ظهور الاعتزال كان من جهة واصل بن عطاء، وكانت وفاته في سنة 131ه/748-749م وولادته في سنة 80ه/699م، فيصير زمن طلبه العلم وقدرته على الاجتهاد في حدود المائة تقريبا.»
56
وجملة القول أنه في هذا العهد ظهر الخلاف بين الفرق التي أشرنا إلى مناشئ وجودها في هذا العهد السالف واحتدم النزاع بينها، واعتمد هذا النزاع على كل وسائل الدفاع من جدل يقوم على أدلة نقلية وعقلية، ثم تولدت مسائل اعتقادية كانت موضع تجادل وتنازع، وافترق المسلمون فيها فرقا، فظهر علم الكلام على أيدي هذه الفرق، خصوصا المعتزلة، وإذا كان واصل بن عطاء هو أول من أظهر الاعتزال وأشاعه، فإنه أخذ الاعتزال عن الإمام أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية الهاشمي (المتوفى سنة 98ه/716-717م).
Unknown page