والعجيب أنه لا الأقدمون، ولا فلاسفة العصور الوسطى، قد تنبهوا تنبها كافيا لما ينطوي عليه هذا الموقف العرفاني من مشكلات نظرية، فلم يقفوا عنده لا طويلا ولا قصيرا، إذ افترضوا افتراض التسليم بأن الجهاز الإنساني من حواس ومن عقل قادر على أن يصور لنا الأشياء والحوادث كما هي في عالمها الخارجي، حتى ظنوا أن ما في «الأذهان» يصور ما في «الأعيان» تصويرا حرفيا - كما قد يقال - فيكون الشيء أو الحدث الذي وقع، محاذيا لفكرتنا الذهنية عنه محاذاة تامة، ففكرتي عن القلم الذي في يدي صورة دقيقة للقلم نفسه. وجاءت النهضة الأوروبية بما حملته معها من مجموعة العلماء الأفذاذ، وفي طليعتهم جاليليو ونيوتن، وبما ساير هؤلاء العلماء من فلاسفة كبار، مثل ديكارت وجون لوك، وعندئذ فقط تنبه المفكرون - علماء وفلاسفة على السواء - للمشكلة الكامنة في هذه المقابلة بين الأذهان والأعيان. •••
ولعل جاليليو كان أول من صاح بالنذير، إذا أشار إلى أن الصفات التي نعرف بها الأشياء، ليست كلها في الأشياء، بل منها ما هو في الأشياء ومنها ما خلقناه نحن بعقولنا خلقا، وأطلق على الصنف الأول الصفات الأولية، وعلى الصنف الثاني الصفات الثانوية. وكان تقسيما غاية في الأهمية والخطورة؛ لأنه مهد الطريق بضربة واحدة أمام إقامة علم موضوعي لا دخل للذات الإنسانية فيه. وذلك لأنه - هو وكل من جاءوا بعده - جعل العلم مقصورا على الصفات الأولية التي هي في الأشياء نفسها ، وأخرج من مجال العلم الصفات الثانوية التي تنتحلها الذات من عندها انتحالا. فلو كان الذي بيدك برتقالة - مثلا - فشكلها الكري وثقلها وعددها صفات في البرتقالة نفسها، وأما لونها الأصفر وطعمها عند مذاقها فصفات ابتكرها جهازك الإدراكي ابتكارا؛ ومن ثم فلا شأن للعلم الموضوعي به. نعم، قد ينبعث من البرتقالة موجات «ضوئية» ذات أطوال تترجمها عينك وأعصابك ودماغك «لونا أصفر»، فإذا أراد العلم أن يبحث، فبحثه ينصب على موجات الضوء، لأعلى اللون الأصفر. وهكذا قل في سائر الصفات الأولية التي هي من اختصاص العلم لموضوعيتها، وسائر الصفات الذاتية التي تخرج من دائرة العلم لذاتيتها.
ولقي هذا التقسيم اهتماما كبيرا من رجال العلم والفلسفة جميعا إبان القرنين السابع عشر والثامن عشر؛ لأنه في الحقيقة تقسيم يرسي الدعائم القوية لعلم فيزيائي يقوم بأقل درجة ممكنة من تدخل الذات وخصوصياتها بكل أنواعها، حتى لقد ألفنا - إلى يومنا هذا - التقسيم إلى الموضوعي والذاتي، إلفا يتعذر معه أن تمحوه. كما يحاول بعض فلاسفة عصرنا هذا جهدهم كله أن يمحوه؛ لأنه لم يعد تقسيما يتفق مع معطيات العلم الفيزيائي نفسه، في صورته الذرية الجديدة.
وكلنا يعرف وقفة ديكارت المشهورة، التي ميز فيها بين الذات من جهة والطبيعة من جهة أخرى، فالأولى فكر خالص والثانية امتداد خالص، فهو حين قال قولته التي لم يعد بين المثقفين مثقف لا يحفظها، قولته: «أنا أفكر، فأنا إذن موجود» أراد بها أن «الأنا» أو «الذات» قوامها فكر، قوامها عقل، وهي تدرك نفسها بنفسها، ولا تحتاج في إدراكها هذا إلى برهان. وواضح أن هذه «الأنا» المفكرة لا يداخلها شيء من مادة حتى ولا بدنها نفسه لأن البدن مندرج مع بقية العالم الطبيعي، وليس هو من دنيا الفكر الخالص. وبهذه الأنا المفكرة، يستطيع أن يبرهن على كل موجود آخر مما يقوم على وجوده برهان عقلي. من ذلك وجود الله، ووجود الطبيعة ... على أن ما يهمنا نحن من هذا كله، هو هذا التباعد بين طرفي العارف وموضوع معرفته.
وكان الفيلسوف الإنجليزي جون لوك هو أول فيلسوف يجعل هذا الموقف ذا الطرفين موضوعه الرئيسي الذي لا يكاد يكون له موضوع سواه. وعن طريقه هو، شاعت التفرقة الحادثة بين الصفات الأولية التي هي موضوعية في الأشياء، وبين الصفات الثانوية التي هي ذاتية في الإنسان. ثم كان بعد ذلك ما كان من تاريخ الفلاسفة إبان القرنين السابع عشر والثامن عشر، فليس منهم واحد لم يتناول هذه التفرقة - في عملية المعرفة - بين ما هو ذاتي وما هو موضوعي، إلا أنهم تناولوها على وجوه مختلفة ليست هي موضع اهتمامنا في هذا المقام، إلا واحدا، ظهر في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وكانت له في الموضوع وقفة بلغت من العمق حدا جعله طرازا من الفلاسفة فريدا، وأعني به عمانوئيل كانط
Kant .
فلقد عاد «كانط» إلى القول بأن ما في الطبيعة يقابل ما في العقل، ولكن على أساس جديد لم نألف مثيلا له فيمن سبقوه جميعا، وذلك لأنه جعل الطبيعة التي هي موضوع العلم الطبيعي بجميع أقسامه، من صنع العقل وصياغته، فما يصوغه العقل في قوالبه المجبولة في فطرته (ويسمون هذه القوالب «مقولات») يصبح عند الإنسان «طبيعة» خارجية يقيم علمه على أساسها، وأما البقية التي تبقي، أعني ما ليس يجد سبيلا إلا تلك القوالب العقلية، فهو «الأشياء في ذاتها» - بمصطلح كانط - التي لا يعلم عنها الإنسان شيئا سوى أنها هناك، فما يزال - حتى في هذه الحالة - الطرفان قائمين يواجه أحدهما الآخر، فعقل من جهة، وطبيعة من جهة أخرى، يحاول الأول أن يعرف الثانية بما أعد في فطرته من أجهزة الإدراك.
ويتركنا «عمانوئيل كانط» والعالم بين أيدينا شطران، أحدهما حقيقي خارجي لا نعرفه لأنه لا ينساق في أجهزتنا العقلية، والآخر ظاهري؛ بمعنى أنه هو الظواهر التي تلقطها حواسنا بحكم استعداداتها الإدراكية، ثم تحيلها إلى مقولات العقل ينسجها مفهومات وقضايا، فلئن كان العالم الطبيعي الذي هو مجال الفكر العلمي، خلقا خلقناه لأنفسنا بعقولنا، أو قل إنه بناء أشرف على تصميمه وتشييده العقل الإنساني، فإن هذا العالم الطبيعة الذي أسلس للعقل قياده، ليس هو كل الحق، بل بقي من حقيقته جانب فوق متناول الإنسان، هذا إذا اقتصر الإنسان على عقله النظري.
فيجيء هيجل
Hegel
Unknown page