وقضيت ساعة بالأمس مع كتاب الياقوتة الذي خصص للمختارات التي قيلت في العلم والأدب، وقد قصدت إلى هذا الاختبار عامدا، في أيام نروج فيها للعلم وللنظرة العلمية وللحياة العلمية وللتخطيط العلمي وللإشادة بالقائمين على الحياة العلمية. أقول إني قد قصدت إلى هذا الاختيار بالأمس عامدا، لأعيش مع السلف ساعة أستمع إليهم في موضوع هو مشغلة اليوم، لا من حيث مادة الموضوع نفسها، ولكن من حيث القيم التي كانت تضبط عمل العاملين به، فنحن إذ نقول ونعيد - في إصرار وإلحاح، وفي إيمان وعقيدة - إن جهودنا الثقافية اليوم، ينبغي أن تسير بنا نحو ثقافة «عربية معاصرة» تحمل موضوعات العصر واهتماماته، مصوغة في قيم موروثة عن السلف، لنحقق بها معاصرة وطابعا قوميا في آن معا، ولنجمع خصوصية تاريخنا إلى عمومية الحياة العصرية المشتركة بين سائر الأقوام في نتاج واحد، نحن إذ نقول هذا ونعيده لا يجدر بنا أن نترك القول عند هذا الحد من التجريد والشيوع، بل لا بد أن نضيف إليه محاولات في التطبيق، وها هنا يتبين متى تكون تلك المبادئ معقولة ومقبولة، ومتى لا تكون. •••
إنني لعلى وعي كامل بمدى الاختلاف البعيد بين معنى «العلم» وصورة «العالم» على أقلام الكتاب الأقدمين، وبين ذلك المعنى وهذه الصورة على أقلامنا اليوم، فلم يكن الكاتب القديم وهو يتحدث عن العلم والعلماء يعني إلا قليلا جدا مما نعنيه اليوم، كما أننا لا نعني اليوم حين نتحدث عن العلم والعلماء إلا قليلا جدا مما كان يعنيه كاتب الأمس، فكاتب الأمس إنما أراد بحديثه - على الأعم الأغلب - علوم الدين وعلماء الشريعة، وكاتب اليوم إنما يريد بحديثه - على الأعم الأغلب كذلك - علوم الطبيعة والإنسان، فبين الكاتبين - كاتب الأمس وكاتب اليوم - هامش ضيق من الاتفاق في الموضوع، ثم يختلفان بعد ذلك في موضوع الحديث ومادته، ولكن هل يتحتم أن يختلفا بالضرورة في معايير التقويم، ما داما قد اختلفا في مادة الموضوع؟ لا أظن ذلك، فإذا تحدث كلاهما عن منزلة العلم في حياة الناس، وعن مكانة العلماء، وعن قيمة الحق، وعن أهمية الشك حتى نبلغ اليقين، وعن حرية العالم في الوصول إلى ما يؤديه إليه تفكيره من نتائج، وما إلى هذه الجوانب من ضوابط، كان كلاهما على اتفاق، مهما اختلف موضوع البحث عند كليهما، وإلا، فلو كان اختلاف الموضوع العلمي يستتبع اختلافا في هذه الضوابط التقويمية، لجاز لنا اليوم أن نطالب علماء الكيمياء بما لا نطالب به علماء طبقات الأرض.
أما بعد، فإلى القارئ صورة لساعة عشتها مع كتاب الياقوتة من العقد الفريد، وهو الكاتب الذي خصص - كما قلنا - للحديث في العلم والأدب، على أنني قصرت اهتمامي في هذه المرة على العلم وحده، ومع ذلك لم أتجاوز بضع صفحات، تفاعلت فيها مع المادة المقروءة أخذا وردا، وقبولا ورفضا. •••
ويبدأ المؤلف - ابن عبد ربه - كتاب الياقوتة هذا، كما يبدأ سائر الكتب، بما يسميه «فرشا»، أي مقدمة يمهد بها لموضوعه، وفي «الفرش» للياقوتة، وهو لا يزيد على صفحة ونصف صفحة، لمحات هي أنفذ اللمحات، وقفت إزاءها متسائلا في عجب وإعجاب، أتكون هذه هي الأصول والمبادئ عند أسلافنا، ثم نجد بيننا اليوم من يعد مثل هذا الحديث خروجا يكاد يبلغ عندهم حد الإلحاد والكفر؟ وأعني هنا بصفة خاصة ذلك المبدأ الذي يوجزه ابن عبد ربه ليكون أساسا لكل معرفة علمية، ألا وهو أن تبدأ المعرفة بإدراك الحواس، ثم تتدرج من هذه البداية الضرورية، بحيث تنتقل من المحسوس إلى التصور الذهني، ومن التصورات الذهنية وما يربط بينهما يكون ما نسميه فكرا، فإذا ما ترويت في مضمون هذا الفكر وجدته مثيرا للإرادة، وما دامت الإرادة استثيرت، فلا بد عندئذ من الأخذ بأسباب العمل.
إنني لأوجه الدعوة إلى قارئي ألا يتعجل، وأن يقف هنا لحظة، ليشبع وليرتوي بهذا المبدأ المنهجي، وها أنا ذا أعيد أمامه أركانه الأساسية: لا معرفة مما يصح أن يسمى علما إلا إذا بدأت بتجربة الحواس، أي بضرورة أن ترى بالعين شيئا وأن تسمع بالأذن شيئا، وبعبارة أخرى فإن العلم لا ينبثق من باطن الإنسان كما تندفع حمم البركان من جوف الأرض، بل هو يجيء إلى الإنسان من خارجه، من الدنيا التي حوله، عن طريق الحواس، وإذا أنت قد شبعت من هذا المبدأ وارتويت، رفضت بعد ذلك القبوع في عقر الدار تستنزل رحمة العلم من السماء، وأخذت تسعى في دنيا الشهادة وفي معامل التجربة والاختبار.
هذه واحدة، والأخرى أنك بعد أن تبني لنفسك بناء فكريا من حصيلة المحسوسات هذه، كان المقياس الذي تقاس به سلامة البناء، هو مدى استطاعتك تحويله إلى إرادة تريد وإلى عمل يعمل. وأكررها مرة أخرى، المعرفة العلمية هي في صميمها مخططات لأعمال، وليست هي بناءات تبنى في الذهن ليتأملها الإنسان ثم يأوي إلى مخدعه ليستريح.
ويمضي ابن عبد ربه في «فرشه» الموجز الدقيق العميق، الذي يقدم به لمختاراته الخاصة بالعلم والعلماء، يمضي ليقول: «والعقل متقبل للعلم، لا يعمل في غير ذلك شيئا» - انظر! العقل لا يولد العلم من جوفه كما يولد العنكبوت خيوطه من معدته وأمعائه، بل إنه «يتقبل» حصيلته من الخارج، من الدنيا بكائناتها الحية والجامدة، من معطيات الحواس سمعا وبصرا ولمسا، لا، بل إن هذه العملية هي نفسها تعريف للعقل عند المؤلف، فهو - أي العقل - يتقبل العلم من المحسوسات الآتية إليه، ثم لا يحاول الخروج عن هذه الدائرة المعطاة ليتبرع من عنده بشيء آخر، وإلا لبطل أن يكون عقلا، العقل مقيد بالمشاهدة والتجارب، مقيد بالواقع المحسوس، مقيد بالظواهر وإنه ليكفر برسالته وبوظيفته إذا هو مزق هذه القيود ليشطح بلا قيود ولا حدود.
هذا هو الفكر العلمي، على أن «العلم علمان» - كما يقول ابن عبد ربه - «علم حمل، وعلم استعمل»، وهو يفرق هذه التفرقة ليقرر أن مجرد حمل العلم بغير استعماله أمر لا طائل وراءه، بل إنه مجلبة للضرر. ولا بد لكي يكون العلم جديرا باسمه هذا، أن ينتقل من مرحلة التحصيل إلى مرحلة التطبيق العملي، فكأنما أراد المؤلف أن يقول - لو تكلم بلغة عصرنا - إن العلم لا يكون لذات العلم نفسه، بل إنه يكون لمنفعة الناس في تدبير معاشهم وفي حل مشكلاتهم.
هذه إذن خصائص ثلاث يتميز بها العلم عند ابن عبد ربه، أكتفي بها حتى لا تطول وقفتي عند التمهيد الموجز الذي قدم به لكتابه الياقوتة. والخصائص الثلاث هي: العلم تجريبي، والعلم برجماتي، والعلم للناس. وإني لأستأذن القارئ في أن أرتكز على المبادئ الموجزة عند المؤلف، لأنطلق منها شارحا ومتحدثا بلغة هذا العصر، لأمحو - ما استطعت - الهوة بين الماضي والحاضر، فكرا وتعبيرا.
على أن هذه الخصائص المنهجية، التي استخلصتها من أسطر وردت في «الفرش» الموجز، الذي قدم به صاحب العقد الفريد لكتاب الياقوتة في العلم والأدب، ليست هي ما يهمني قبل سواها مما أردت أن أقوله، إنما تهمني القيم، التي هي بمثابة المسطرة والفرجار، نرسم بهما الخطوط والدوائر، مهما اختلفت الأغراض التي من أجلها رسمت تلك الخطوط والدوائر، فمن هذه القيم ما قد حدد به أسلافنا مكانة العلماء من مجتمعهم، أيتبعهم الناس أم هم الذين يتبعون؟ فانظر إلى هذا الحديث النبوي الشريف، في أي منزلة يضع رجال العلم، حين يقول: «لمداد جرت به أقلام العلماء خير من دماء الشهداء في سبيل الله»، فهل يجوز بعد ذلك ألا تكون الكلمة العليا في المجتمع المؤمن برسالة الإسلام، لغير ما خطه العلماء بمدادهم الطاهر النبيل؟ وليست هي بالثورة الهينة تلك التي تغير من أوضاع المجتمع بحيث تكون لأصحاب العلم الصدارة والريادة، فلم تكن الثورة التي أرادها أفلاطون بالهينة، حين جعل للفلاسفة في «الجمهورية» مكان التوجيه والحكم، وأخذ الرجل في غضون المحاورة يسوق المثل تلو المثل، والحجة في أعقاب الحجة، بأن صاحب الفكر يجيء أولا ثم يأتي صاحب التنفيذ، وماذا يكون التنفيذ إلا تنفيذا لفكرة، وماذا تكون الفكرة إلا تخطيطا لعمل ينفذ فيسعد البشر؟ وليست هذه الأسبقية أسبقية في القيمة الإنسانية للأفراد بل هي أولوية منطقية تحدد ماذا يجيء قبل ماذا في تدبير الحياة، وإلا فالقيم الإسلامية لا تدع مجالا للشك في أن لكل إنسان ما لكل إنسان من رتبة، لا يرفع أحدا عن أحد إلا العمل الصالح. وها هو ذا علي بن أبي طالب يقرر لنا - وهو قول يورده ابن عبد ربه في كتاب الياقوتة الذي نحن الآن بصدد الحديث عنه - يقرر لنا أن «قيمة كل إنسان ما يحس»، ومعنى ذلك في حياة العلم والعلماء، أنه لا فرق من حيث القيمة بين القائمين بالجوانب المختلفة من العملية الفكرية الواحدة، والمهم هو أن يحسن كل منهم ما يتصدى للاضطلاع به، فالمسألة فرض على الفريق، والنتيجة فضلها للفريق، والنفع للجماعة بكل أفرادها.
Unknown page