Tahāfut al-Tahāfut
تهافت التهافت
[17] وانت ينبغى ان تفهم انه متى جردت اقاويل الفلاسفة من الصنائع البرهانية عادت اقاويل جدلية ولا بد ان كانت مشهورة او منكرة غريبة ان لم تكن مشهورة والعلة فى ذلك ان الاقاويل البرهانية انما تتميز من الاقاويل الغير برهانية اذا اعتبرت بجنس الصناعة الذى فيه النظر فما كان منها داخلا فى حد الجنس او الجنس داخلا فى حده كان قولا برهانيا وما لم يظهر فيه ذلك كان قولا غير برهانى وذلك لا يمكن الا بعد ان تحدد طبيعة ذلك الجنس المنظور فيه وتحدد الجهة التى من قبلها توجد المحمولات الذاتية لذلك الجنس من الجهة التى لا توجد لها ويتحفظ فى تقرير تلك الجهة فى قول قول من الاقاويل الموضوعة فى تلك الصناعة بان تحضر ابدا نصب العين فمتى وقع فى النفس ان القول جوهرى لذلك الجنس أو لازم من لوازم جوهره صح القول واما متى لم تخطر هذه المناسبة بذهن الناظر أو خطرت خطورا ضعيفا فان القول ظنى لا يقين ولذلك كان الفرق بين البرهان والظن الغالب فى حق العقل ادق من الشعر عند البصر وأخفى من النهاية التى بين الظل والضوء وبخاصة فى الامور المادية عند قوم عمى لاختلاط ما بالذات فيها مع ما بالعرض .
[18] ولذلك ما نرى ان ما فعل أبو حامد من نقل مذاهب الفلاسفة فى هذا الكتاب وفى سائر كتبه وابرازها لمن لم ينظر فى كتب القوم على الشروط التى وضعوها انه مغير لطبيعة ما كان من الحق فى اقاويلهم او صارف اكثر الناس عن جميع اقاويلهم فالذى صنع من هذا الشر عليه أغلب من الخير فى حق الحق ولذلك علم الله ما كنت أنقل فى هذه الاشياء قولا من اقاويلهم ولا استجيز ذلك لولا هذا الشر اللاحق للحكمة واعنى بالحكمة النظر فى الاشياء بحسب ما تقتضيه طبيعة البرهان
[19] قال ابو حامد مجيبا عن الفلاسفة فان قيل الجسم الاقصى او الشمس او ما قدر من الاجسام فهو متقدر بمقدار يجوز ان يزيد عليه وينقص منه فيفتقر اختصاصه بذلك المقدار الجائز الى مخصص فلا يكون اولا قلنا بم تنكرون على من يقول ان ذلك الجسم يكون على مقدار يجب ان يكون غاية لنظام الكل ولو كان اصغر منه او اكبر لم يجز كما انكم قلتم ان المعلول الاول يقتضى الجرم الاقصى منه متقدرا بمقدار وسائر المقادير بالنسبة الى ذات المعلول الاول متساوية ولكن تعين بعض المقادير لكون النظام متعلقا به فوجب المقدار الذى وقع ولم يجز خلافه فكذا اذا قدر غير معلول . بل لو اثبتوا فى المعلول الاول الذى هو علة الجرم الاقصى عند هم مبدأ للتخصيص مثل ارادة مثل لم ينقطع السؤال اذ يقال ولم اراد هذا المقدار دون غيره كما الزموه على المسلمين فى اضافتهم الاشياء الى الارادة القديمة وقد قلبنا ذلك عليهم فى تعين جهة حركة السماء وفى تعين نقطتى القطبين . فاذا بان انهم مضطرون الى تجويز تميز الشىء عن مثله والوقوع بعلة فتجويزه بغير علة كتجويزه بعلة اذ لا فرق بين ان يتوجه السؤال فى نفس الشىء فيقال لم اختص بهذا القدر وبين ان يتوجه فى العلة فيقال ولم خصصه بهذا القدر عن مثله فان امكن دفع السؤال عن العلة بان هذا المقدار ليس مثل غيره اذ النظام مرتبط به دون غيره أمكن دفع السؤال عن نفس الشىء ولم يفتقر الى علة وهذا ما لا مخرج عنه فان هذا المقدار المعين الواقع ان كان مثل الذى لم يقع فالسؤال متوجه انه كيف ميز الشىء عن مثله خصوصا على أصلهم وهم ينكرون الارادة المميزة وان لم يكن مثلا له فلا يثبت الجواز بل يقال وقع كذلك قديما كما وقعت العلة القديمة بزعمهم . وليستمد الناظر فى هذا الكلام مما أوردناه لهم من توحيه السؤال فى الارادة القديمة وقلبنا ذلك عليهم فى نقطة القطب وجهة حركة الفلك وتبين بهذا ان من لم يصدق بحدوث الاجسام فلا يقدر على اقامة دليل على ان الاول ليس بجسم أصلا
Page 410