Tafsir Mizan
تفسير الميزان - العلامة الطباطبائي
منها: الاستدلال بنفس الأمر والنهي والعقاب والثواب وأمثالها على تحقق الاختيار من غير جبر ولا تفويض، كما في الخبر المنقول عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) فيما أجاب به الشيخ، وهو قريب المأخذ مما استفدناه من كلامه تعالى.
ومنها: الاستدلال بوقوع أمور في القرآن لا تصدق لو صدق جبر أو تفويض، كقوله تعالى: "لله ملك السموات والأرض"، وقوله: "وما ربك بظلام للعبيد"، وقوله تعالى: "قل إن الله لا يأمر بالفحشاء" الآية، ويمكن أن يناقش فيه بأن الفعل إنما هو فاحشة أو ظلم بالنسبة إلينا وأما إذا نسب إليه تعالى فلا يسمى فاحشة ولا ظلما فلا يقع منه تعالى فاحشة ولا ظلم، ولكن صدر الآية بمدلولها الخاص يدفعها فإنه تعالى يقول: "وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليه آبائنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء" الآية، فالإشارة بقوله بهذا يوجب أن يكون النفي اللاحق متوجها إليه سواء سمي فحشاء أو لم يسم.
ومنها: الاستدلال من جهة الصفات وهو أن الله تسمى بأسماء حسني واتصف بصفات عليا لا تصدق ولا تصح ثبوتها على تقدير جبر أو تفويض فإنه تعالى قهار قادر كريم رحيم، وهذه صفات لا تستقر معانيها إلا عند ما يكون وجود كل شيء منه تعالى ونقص كل شيء وفساده غير راجع إلى ساحة قدسه كما في الروايات التي نقلناها عن التوحيد.
ومنها: الاستدلال بمثل الاستغفار وعروض اللوم فإن الذنب لو لم يكن من العبد لم يكن معنى لاستغفاره ولو كان الفعل كله من الله لم يكن فرق بين فعل وفعل في عروض اللوم على بعضها وعدم عروضه على بعض آخر.
وهاهنا روايات أخر مروية فيما ينسب إليه سبحانه من معنى الإضلال والطبع والإغواء وغير ذلك.
ففي العيون، عن الرضا (عليه السلام): في قوله تعالى: "وتركهم في ظلمات لا يبصرون" قال (عليه السلام) "إن الله لا يوصف بالترك كما يوصف خلقه لكنه متى علم أنهم لا يرجعون عن الكفر والضلال منعهم المعاونة واللطف وخلى بينهم وبين اختيارهم".
وفي العيون، أيضا عنه (عليه السلام): في قوله تعالى: ختم الله على قلوبهم، قال: الختم هو الطبع على قلوب الكفار عقوبة على كفرهم، كما قال الله تعالى: بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا وفي المجمع، عن الصادق (عليه السلام): في قوله تعالى: إن الله لا يستحيي الآية، هذا القول من الله رد على من زعم أن الله تبارك وتعالى يضل العباد ثم يعذبهم على ضلالتهم الحديث، أقول: قد مر بيان معناها.
بحث فلسفي
لا ريب أن الأمور التي نسميها أنواعا في الخارج هي التي تفعل الأفاعيل النوعية، وهي موضوعاتها، فإنا إنما أثبتنا وجود هذه الأنواع ونوعيتها الممتازة عن غيرها من طريق الآثار والأفاعيل، بأن شاهدنا من طرق الحواس أفاعيل متنوعة وآثارا مختلفة من غير أن تنال الحواس في إحساسها أمرا وراء الآثار العرضية، ثم أثبتنا من طريق القياس والبرهان علة فاعلة لها وموضوعا يقومها ثم حكمنا باختلاف هذه الموضوعات أعني الأنواع لاختلاف الآثار والأفاعيل المشهودة لنا، فالاختلاف المشهود في آثار الإنسان وسائر الأنواع الحيوانية مثلا هو الموجب للحكم بأن هناك أنواعا مختلفة تسمى بكذا وكذا ولها آثار وأفاعيل كذا وكذا، وكذا الاختلافات بين الأعراض والأفاعيل إنما نثبتها ونحكم بها من ناحية موضوعاتها أو خواصها.
Page 58