Majmaʿ al-bayān fī tafsīr al-Qurʾān - al-juzʾ 1
مجمع البيان في تفسير القرآن - الجزء1
(1) - في الآخرة ولا ينفعهم وإن كان ينفعهم في الدنيا لأنهم لما قصدوا بتعلمه أن يفعلوه ويرتكبوه لا أن يجتنبوه صار ذلك بسوء اختيارهم ضررا عليهم وقوله «ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق» يعني اليهود الذين نبذوا كتاب وراء ظهورهم علموا لمن استبدل السحر بدين الله فالهاء في اشتراه كناية عن السحر عن قتادة وجماعة من المفسرين فما له في الآخرة من نصيب وقوله «ولبئس ما شروا به أنفسهم» يعني بئس ما باعوا به حظ أنفسهم حيث اختاروا التكسب بالسحر وقوله «لو كانوا يعلمون» بعد قوله «ولقد علموا» ذكر فيه وجوه (أحدها) أن يكون الذين علموا غير الذين لم يعلموا أو يكون الذين علموا الشياطين أو الذين خبر تعالى عنهم بأنهم نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم والذين لم يعلموا هم الذين تعلموا السحر (وثانيها) أن يكون الذين علموا هم الذين لم يعلموا إلا أنهم علموا شيئا ولم يعلموا غيره فكأنه تعالى وصفهم بأنهم عالمون بأنه لا نصيب لمن اشترى ذلك ورضيه لنفسه على الجملة ولم يعلموا كنه ما يصيرون إليه من العقاب الدائم (وثالثها) أن تكون الفائدة في نفي العلم بعد إثباته أنهم لم يعملوا بما علموا فكأنهم لم يعلموا كما قال كعب بن زهير يصف ذئبا وغرابا تبعاه ليصيبا من زاده:
إذا حضراني قلت لو تعلمانه # ألم تعلما أني من الزاد مرمل
فنفى عنهما العلم ثم أثبته والمعنى في نفيه العلم عنهما أنها لم يعملا بما علماه فكأنهما لم يعلماه وفي هذه الآية دلالة على أن الأفعال تختلف باختلاف المقاصد ولذلك كان تعلم السحر لإزالة الشبهة والتحرز منه واجتنابه إيمانا ولتصديقه واستعماله كفرا واختلف في ماهية السحر على أقوال فقيل أنه ضرب من التخييل وصنعة من لطيف الصنائع وقد أمر الله تعالى بالتعوذ منه وجعل التحرز بكتابه وقاية منه وأنزل فيه سورة الفلق وهو قول الشيخ المفيد أبي عبد الله من أصحابنا وقيل أنه خدع ومخاريق وتمويهات لا حقيقة لها يخيل إلى المسحور أن لها حقيقة وقيل أنه يمكن الساحر أن يقلب الإنسان حمارا ويقلبه من صورة إلى صورة وينشئ الحيوان على وجه الاختراع وهذا لا يجوز ومن صدق به فهو لا يعرف النبوة ولا يأمن أن تكون معجزات الأنبياء من هذا النوع ولو أن الساحر والمعزم قدرا على نفع أو ضر وعلما الغيب لقدراعلى إزالة الممالك واستخراج الكنوز من معادنها والغلبة على البلدان بقتل الملوك من غير أن ينالهم مكروه وضرر فلما رأيناهم أسوء الناس حالا وأكثرهم مكيدة واحتيالا علمنا أنهم لا يقدرون على شيء من
Page 341