Al-Tafsīr al-Kabīr
التفسير الكبير
وقوله تعالى: { وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما }؛ أي خلقنا وهيأنا للكافرين منهم عذابا وجيعا يخلص وجعه إلى قلوبهم، وإنما خص الكافرين لبيان أن من يؤمن منهم غير داخل في هذا الوعيد.
ثم استثنى الله تعالى منهم من آمن، فقال تعالى: { لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك }؛ أي لكن التائبون من أهل الكتاب وهم عبدالله بن سلام وأصحابه، وسماهم { الراسخون في العلم } لثباتهم في العلم وتبحرهم فيه؛ لا يضطربون ولا تميل بهم الشبه، بمنزلة الشجرة الراسخة بعروقها في الأرض.
قوله تعالى: { والمؤمنون يؤمنون } أي والمؤمنون من غير أهل الكتاب من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصدقون بما أنزل إليك من الفرقان، وما فيه من تحريم هذه الأشياء عليهم، ويصدقون بما أنزل من قبلك على الأنبياء من الكتب، { والمقيمين الصلاة }؛ يجوز أن يكون معناه: يؤمنون بالنبيين المقيمين الصلاة، فيكون قوله { والمقيمين } نسقا على قوله { بمآ أنزل إليك }.
ويجوز أن يكون نصبا على المدح على معنى: أعني المقيمين الصلاة؛ وهم: { والمؤتون الزكاة }؛ كما يقال: جاءني قومك المطعمون في المحل؛ والمعينون في الشدائد. وقوله تعالى: { والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما }؛ أي المصدقون بالله وبالبعث بعد الموت أولئك سنعطيهم ثوابا وافرا في الجنة.
[4.163]
قوله جل وعز: { إنآ أوحينآ إليك كمآ أوحينآ إلى نوح والنبيين من بعده }؛ أي أنزلنا جبريل عليك بهذا القرآن كما أوحينا إلى نوح؛ فأمر بالاستقامة على التوحيد ودعوة الخلق إليه، وكما أوحينا إلى النبيين من بعد نوح أوحينا إليك. قيل: إن نوحا عليه السلام عمر ألف سنة لم تنقص له سن ولا قوة، ولم يشب له شعر، ولم يبلغ أحد من الأنبياء في الدعوة ما بلغ، ولم يصبر على أذى قومه ما صبر، وكان يدعو قومه ليلا ونهارا، وسرا وإعلانا، وكان الرجل من قومه يضربه فيغمى عليه، فإذا أفاق دعا وبلغ، وقيل: هو أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة بعد محمد صلى الله عليه وسلم.
قوله تعالى: { وأوحينآ إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط }؛ وهم بنو يعقوب عليه السلام وهم اثنا عشر رجلا، و؛ إلى؛ { وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا }؛ أي أعطينا؛ { داوود زبورا }؛ والزبور: هو الكتاب، مأخوذ من الزبر؛ وهو الكتابة، ومن قرأ زبورا بضم الزاي وهو الأعمش وحمزة وابن وثاب؛ فمعناه: الكتب على الجمع.
فإن قيل: كيف قدم الله ذكر عيسى على ذكر أيوب ويونس وهارون وسليمان وداود، وهو من بعدهم؟ قيل: لأن الواو للجمع دون الترتيب، فتقديم ذكره في الآية لا يوجب تقديمه في الخلق والإرسال، والفائدة في تقديمه في الذكر: الرد على اليهود، ولغلوهم في الطعن فيه وفي نسبه، فقدمه الله في الذكر؛ لأن ذلك أبلغ في كتب اليهود وفي تنزيهه مما رمي به ونسب إليه.
[4.164]
قوله جل وعز: { ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل }؛ عطف على
Unknown page