384

وقال بعضهم: ليس في الآية تقديم وتأخير، ومعناه: قالت اليهود: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، قل يا محمد إن الهدى هدى الله؛ فلا تجحدوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، أو يحاجكم أحد عند ربكم، (قل): إن الفضل بيد الله، { يؤتيه من يشآء }؛ أي النبوة والكتاب والهدى بقدرة الله تعالى يعطيه من يشاء، { والله واسع عليم }؛ أي واسع الفضل والقدرة، عليم بمن هو من أهل الفضل.

وقيل معنى الآية: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أي ملتكم، ولا تؤمنوا إلا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من العلم والحكمة؛ والكتاب والحجة؛ والمن والسلوى؛ وفلق البحر وغيرها من الكرامات، ولا تؤمنوا إلا أن يجادلوكم عند ربكم لأنكم أصح دينا منهم، وهذا قول مجاهد.

وقال ابن جريج: (معناه: أن اليهود قالت لسفلتهم: لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم كراهة أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم؛ فأي فضل يكون لكم عليهم حيث عملوا ما عملتم، وحينئذ يحاجوكم عند ربكم فيقولون: عرفتم أن ديننا حق؛ فلا تصدقوهم لئلا يعلموا مثل ما علمتم فلا يحاجوكم عند ربكم). ويجوز أن تكون (إلا) على هذا القول مضمرة لقوله تعالى:

يبين الله لكم أن تضلوا

[النساء: 176] ويكون تقديره: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم؛ لئلا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم؛ لئلا يحاجوكم به عند ربكم.

وقرأ الحسن والأعمش (إن يؤتى) بكسر الألف، وجه هذه القراءة: أن هذا من قول الله عز وجل بلا اعتراض، وأن يكون كلام اليهود منتهيا عند قوله { إلا لمن تبع دينكم }. ومعنى الآية: قل يا محمد إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا أمة محمد أو يحاجوكم؛ يعني: إلا أن يحاجوكم أي يجادلوكم اليهود بالباطل فيقولوا نحن أفضل منكم.

وقوله تعالى: { عند ربكم } أي عند فعل ربكم ذلك، وتكون (أن) على هذا القول بمعنى الجحد والنفي؛ أي لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، وما أعطي أحد مثل ما أعطيتم يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم من الدين والحجة حتى يجادلوكم عند ربكم. قرأ ابن كثير: (أأن يؤتى أحد) بالمد، وحينئذ في الكلام اختصار تقديره: ألأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا معشر اليهود من الكتاب تحسدونهم ولا تؤمنون به، وهذا قول قتادة والربيع؛ قالا: (هذا من قول الله عز وجل: قل يا محمد إن الهدى هدى الله؛ لما أنزل كتابا مثل كتابكم ونبيا مثل نبيكم حسدتموه وكفرتم به).

ويحتمل أن يكون تمام الخبر عن اليهود عند قوله تعالى:

لعلهم يرجعون

[آل عمران: 72]، فيكون قوله تعالى: { ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } إلى آخر الآية من كلام الله عز وجل، وذلك أن الله تعالى قال مثبتا لقلوب المؤمنين لئلا يشكوا عند تلبس اليهود في دينكم، ولا تصدقوا يا معشر المؤمنين إلا لمن تبع دينكم، ولا تصدقوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الدين والفضل، ولا تصدقوا أن يحاجوكم في دينكم عند ربكم، أو يقدرون عليه، فإن الهدى هدى الله، وإن عند تلبس اليهود عليهم لئلا يزلوا أو يرتابوا، يدل عليه قول الضحاك: (إن اليهود قالوا: إنا نحاج عند ربنا من خالفنا في ديننا). بين الله أنهم هم المدحضون المغلوبون، وأن المؤمنين هم الغالبون. وقال أهل الإشارة في هذه الآية: لا تعاشروا إلا من يوافقكم على أحوالكم وطريقتكم، فإن من لم يوافقكم لا يرافقكم.

Unknown page