398

Tafsīr Bayān al-Saʿāda fī maqāmāt al-ʿibāda

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة

[10.12]

{ وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه } حال كونه على جنبه فاللام بمعنى على والمقصود مطلق القاء البدن على الارض سواء كان على الجنب او الظهر او الوجه ويعبر بالالقاء على الجنب عن مطلق احوال الالقاء كثيرا فى العرب والعجم { أو قاعدا أو قآئما } اى فى جملة الاحوال فلفظة او لتفصيل الاحوال { فلما كشفنا عنه ضره } كان المناسب ان يقول فاذا كشفنا حتى يصح تعقيبه للشرط المستقبل لكنه اداه بالشرط الماضى اشارة الى ان مسيس الضر والدعاء عقيبه سجية للانسان مستغرق للماضى والمستقبل كأنه قال: اذا مس الانسان الضر دعانا وقد مسه الضر فدعانا فلما كشفنا عنه ضره { مر كأن لم يدعنآ إلى ضر مسه } كناية عن اعراضه وعدم عنايته بشأن من كان محتاجا اليه ومتنعما به وقد صار هذه العبارة مثلا فى العرب والعجم فى هذا المعنى اذا ذكر بعده ما يدل على تشبيه حال المحتاج بغير المحتاج { كذلك } اى مثل ما زين للمكشوفى الضر اعمالهم حتى لا يبالوا بمن دعوه لكشفه وغفلوا عنه { زين للمسرفين ما كانوا يعملون } من اتباع الشهوات والانهماك فيها حتى وقعوا فى الغفلات.

[10.13-15]

{ ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا } انفسهم بالغفلة وعدم المبالاة بسخط الله ومكره وهو تهديد للغافلين { وجآءتهم رسلهم بالبينات } فما اكترثوا بهم وببيناتهم لغاية غفلتهم { وما كانوا ليؤمنوا } لغاية غفلتهم وانهماكم فى الشهوات لتزيين الشيطان لهم اعمالهم الشهوية { كذلك نجزي القوم المجرمين ثم جعلناكم خلائف } اى خلائف لنا او للاسلاف { في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقآءنا ائت بقرآن غير هذآ } وهم الواقعون فى جهنام النفس والنفس كالمرأة الخبيثة لا ترضى بوضع يحصل لها وتتمنى دائما غير الوضع الذى هو حاصل لها وهؤلاء باقتضاء فطرة النفس سئلوا تبديل القرآن { أو بدله } يعنى اترك هذا القرآن وائت بمكانه قرآنا نرتضيه، او غيره بتبديل ما لا نرتضيه الى ما نرتضيه { قل ما يكون } ما يصح { لي أن أبدله } اى اغيره بترك اصله او بتدبيل آياته او اقتصر على الامتناع عن التبديل ليدل على ان تركه اصلا اولى بالامتناع { من تلقآء نفسي } بدون امر ربى { إن أتبع إلا ما يوحى إلي } يعنى ليس لى نفسية وامر نفس واتباع لامر النفس لان شأنى واتباعى مقصور على امر ربى { إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم } جواب سؤال عن العلة وتعريض بهم حيث يعصون ولا يخافون.

[10.16]

{ قل لو شآء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به } اى لا اعلمكم الله به على لسانى يظن فى بادى النظر ان حق العبارة ان يقال: لو لم يشأ الله ما تلوته حتى يفيد ترتب عدم التلاوة على عدم المشية ويستفاد من مفهومه ترتب التلاوة على المشية، ومفاد الآية ترتب عدم التلاوة على المشية واستلزامه بحسب المفهوم لترتب التلاوة على عدم المشية والحال ان الوجودى يحتاج الى العلة الوجودية والعدم لا علة له، وما قالوا: علة العدم عدم، فهو من باب المشاكلة ولو سلم فيقتضى تعليق عدم التلاوة على عدم المشية لا على نفس المشية، والجواب انه تعالى اراد ان يشير الى انه لا شأن له (ص) عدميا كان او وجوديا الا وهو متعلق بمشية الله والعدم الصرف وان كان لا علة له ولا تعلق له بشيء، لكن الاعدام الشأنية اى اعدام الملكات كالوجوديات تقتضى علة وتعلقا واذا كان عدم تلاوته مع انه عدمى متعلقا بمشيته تعالى فتلاوته كانت متعلقة بالطريق الاولى، لانها حادثة وجودية مقتضيته للعلة والتعلق، ومفهوم الآية تعلق التلاوة بعدم مشية عدم التلاوة وهو اعم من مشية التلاوة او عدم المشية مطلقا { فقد لبثت } الفاء عاطفة على لو شاء الله ما تلوته بملاحظة المعنى مع اشعاره بالسببية للاثبات كأنه قال: تلوته بمشية الله لا بمشيتى وادعائى ذلك بسبب لبثى فيكم وعدم ظهور مثل ذلك منى، كأنه اشار بتلك السببية الى قياسين اقترانيين من الشكل الاول وقياس استثنائى مأخوذ من نتيجة القياس الثانى واستثناء نقيض تاليه ترتيبه هكذا: لو لم يكن القرآن باتباع الوحى ومشية الله لكان باختلاق من تلقاء نفسى وكلما كان باختلاق من تلقاء نفسى ظهر مثل ذلك منى قبل ذلك؛ ينتج لو لم يكن بمشية الله لظهر مثله قبل ذلك وكلما ظهر مثله قبل ذلك شاهدتموه وسمعتموه ولكن لم تشاهدوه منى فقد لبثت { فيكم عمرا من قبله } قبل القرآن مدة اربعين سنة لا يظهر عنى امثال ذلك، وما سمعتم منى { أفلا تعقلون } لا تدركون بعقولكم او لا تتصرفون فى مدركاتهم بعقولكم او تصيرون عقلاء.

[10.17]

{ فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته } تعريض بنفسه وبهم على سبيل الترديد على طريقة الانصاف مع الخصم بعد ما اثبت كونه غير مفتر كأنه قال: ان كنت مفتريا على الله كما تكنون بذلك فانا اظلم الناس وان كنت آتيا بآيات الله وتكذبونها فانتم اظلم الناس، او تعريض بكلتا الفرينتين بهم ويكون او للتفصيل لا للتشكيك كأنه قال بعد ما اثبت انى غير مفتر: فانتم اظلم الناس من جهة افترائكم على الله بنصب الآلهة لانفسكم وبتكذيب آياته { إنه لا يفلح المجرمون } فى موضع التعليل.

[10.18-19]

{ ويعبدون } عطف بملاحظة المعنى المقصود بالتعريض يعنى هم يفترون ويكذبون ويجرمون ويعبدون { من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم } من الاصنام والكواكب عبادة العبيد ومن الاهوية والآراء والشياطين عبادة اتباعية، ومن غير من نصبه الله من رؤساءهم الدنيوية او رؤساءهم الدينية بزعمهم عبادة طاعة، والمقصود من نفى الضر والنفع نفى ما يتوهمونه ضرا ونفعا مما يؤل الى دنياهم من غير نظر الى عبادتهم والا فهى بعبادتهم اياها تضرهم غاية الضر ويقولون { هؤلاء شفعاؤنا عند الله } كما يقول الوثنى: ان اصنامنا شفعاؤنا عند الله، وكما يقول اكثر الصابئين: ان الكواكب شفعاؤنا، وبعض يقول: هى قديمة مستقلة فى الآلهة، كما يقول الزرداشتيون: النار تشفعنا عند الله، وكما يقول المطيعون لمن يزعمونهم رؤساء الدين: هؤلاء وسائط بيننا وبين الله، وكما يقول المتبعون للاهواء والشياطين فى صورة الاعمال الشرعية الصادرة من اتباع النفس والشياطين: هى وسائل بيننا وبين الله واسباب قربنا الى الله والحال انها وسائل الشيطان واسباب القرب الى الجحيم والنيران { قل } استهزاء { أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض } بالشفعاء من حيث شفاعتهم او بشفاعتهم يعنى ان ما فى السماوات والارض معلوم له وما ليس معلوما له فيهما فلا يكون { سبحانه وتعالى عما يشركون وما كان الناس إلا أمة واحدة } يعنى قبل بعثة الرسل البشرية كانوا على مقتضيات شهوات النفوس آمة لها متوجهة اليها وبعد بعثة الرسل انصرف طائفة عنها الى ما دعتهم الرسل اليه من الخيرات الاخروية الانسانية وابى طائفة { فاختلفوا } وقبل بعثة الرسل الباطنة من العقول كانوا على مقتضيات النفوس الحيوانية آمة لها وبعد بعثة الرسل الباطنة انصرف طائفة من قواهم الى ما دعتها الرسل اليه وبقيت طائفة فاختلفوا وتنازعوا وتقاتلوا { ولولا كلمة سبقت من ربك } كلمة امهالهم وآجالهم المؤخرة المعينة سبقت فيما كتبه الملك المصور فى أرحام أمهاتهم او سبق ثبتها فى الالواح والاقلام العالية { لقضي بينهم فيما فيه يختلفون } لحكم باظهار الحق والباطل وتميز الحق عن المبطل.

Unknown page