Tafsīr Bayān al-Saʿāda fī maqāmāt al-ʿibāda
تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة
{ إن الذين عند ربك } فى موضع التعليل للامر والنهى والمراد من حصل له الحضور عنده من الانبياء (ع) والرسل (ع) وخلفائهم فى سلسلة الصعود والملائكة المقربين فى سلسلة النزول { لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه } على سبيل الاستمرار { وله يسجدون } استمرارا فان اردت اللحوق بهم والاتصاف بصفاتهم فلا تغفل عن ذكره.
[8 - سورة الأنفال]
[8.1]
{ يسألونك عن الأنفال } جمع النفل وهو الزيادة وقد فسرت فى بعض الاخبار بما هو مختص بالرسول (ص) والامام (ع) مما لا يوجف عليه بخيل ولا ركاب وبطون الاودية والآجام والاراضى الموات والمعادن وميراث من لا وارث له وغير ذلك مما لا شركة لغيره فيه، وفسرت فى بعض آخر بالغنائم التى فيها الخمس للرسول والبقية للمقاتلين، وورد انها نزلت فى غنائم بدر حين اختلفوا فيها وتنازعوا وتشاجروا { قل الأنفال لله والرسول } لا شراكة لغير الرسول فيها فان فسرت بالغنائم فهى منسوخة بآية التخميس وان فسرت بغير الغنائم فهى ثابتة { فاتقوا الله } ولا تطمعوا فيها ولا تختلفوا ولا تشاجروا ولا تريدوا اصلاح امر الله ورسوله فانهم كانوا يوم بدر ثلاثة اصناف: صنف اغاروا على الغنائم، وصنف تخلفوا عند رسول الله (ص)، وصنف ذهبوا فى طلب العدو، وكان المال قليلا والناس كثيرا وبعضهم ضعفاء وبعضهم اقوياء وكانت اول غنيمة أخذوها فتكلموا فيها وفى كيفية قسمتها وتنازعوا فى ذلك { وأصلحوا ذات بينكم } ما بينكم لا ما بين الله والرسول (ص) وبينكم فانه ليس اصلاحه اليكم وذات هى التى بمعنى الصاحبة ثم استعملت فى مثل ذات الصدور وذات بينكم بمعنى ما فى الصدور وما بينكم لمصاحبة ما فى الصدور وكذا ما فى البين لهما { وأطيعوا الله ورسوله } ولا تكلموا فيما امره اليهما { إن كنتم مؤمنين } فان الايمان يقتضى تسليم امر الله وتكلمكم فى امر الله ورسوله (ص) يورث الشك فى ايمانكم.
[8.2]
{ إنما المؤمنون } تعليل لما يفهم من الشرط من الشك فى ايمانهم او جواب لسؤال ناش من الشرط كأنه قال قائل: ان كان هؤلاء مشكوكا فى ايمانهم فمن المؤمن الذى لا يشك فى ايمانه؟ - فقال: انما المؤمنون { الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } لذكره { وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا } لكون قلوبهم خالية عن رين الاهوية فيؤثر ذكر الله وآياته فيها وقد مضى ان الايمان له مراتب ودرجات وانه يزداد وينقص { وعلى ربهم يتوكلون } عطف على جملة الشرط والجزاء الواقعة صلة لعدم تقيده بحين دون حين وللاشارة الى ان التوكل لا بد وان يصلح آنا فآنا اتى بالمضارع دون الماضى.
[8.3]
{ الذين يقيمون الصلاة.. } اشارة الى وصفى الايمان من التولى المعبر عنه بالصلاة والتبرى المعبر عنه بالزكاة، والانفاق وهما اساسا جملة الاعمال الصالحة البدنية وهو بدل من الموصول او مبتدء مستأنف وخبره الجملة الآتية او هو خبر مبتدء محذوف جوابا لسؤال مقدر.
[8.4]
{ أولئك } الموصوفون بما ذكر، والاتيان باسم الاشارة البعيدة لاحضارهم بالاوصاف المذكورة ليكون كالتعليل للحكم وتعظيما لهم { هم المؤمنون حقا } ضمير الفصل وتعريف المسند للحصر والتأكيد، يعنى ان هؤلآء الذين قرنوا بين صورة الايمان العام التى هى البيعة مع النبى (ص) بالبيعة العامة وحقيقته التى تظهر بآثاره المذكورة التى هى تأثر القلوب من آثار من آمنوا به وهو من لوازم المحبة التى هى من لوازم صفاته الجمالية والاقرار به وتفويض الامور اليه الذى هو من آثار صفاته الجلالية، هم المؤمنون الذين لا يشك فى ايمانهم لا البايعون بالبيعة العامة فقط من غير التحقق بحقيقته فان ايمانهم مشكوك فيه { لهم درجات عند ربهم } خبر بعد خبر او حال او استيناف جوابا لسؤال مقدر { ومغفرة ورزق كريم } ذكر اوصافا ثلاثة لهم هى امهات ما يطلبه الانسان، الاول سعة المقام ولوازمها وللاشارة الى ان الدرجات ليست مغايرة لذواتهم بل هى شؤنهم وسعة ذواتهم قال تعالى فى آية اخرى؛ هم درجات، والثانى ستر المساوى وما يلحقه منها، والثالث وجدان ما يحتاج اليه.
Unknown page