351

Tafsīr Bayān al-Saʿāda fī maqāmāt al-ʿibāda

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة

[غافر:11]؛ اشارة الى هاتين الاماتتين وهذين الاحيائين ولذا قدم امتنا والساعة بكلا معنييه من الامور التى لم يطلع الله عليها احدا من ملائكته المقربين وانبيائه المرسلين (ع) واوليائه الكملين، فلا يعلمها الا الله ويقدم منها ما يشاء ويؤخر فمن ادعى علمها فهو كذاب وقد ورد لعن الله الموقتين، بل التحقيق ان الساعة خارجة من الوقت واقعة فوق الوقت ليس لها وقت زمانى بل هى من الملكوت والزمان من الملك وتحديد الملكوت بالملك من غاية الجهل ولذا نسب الله تعالى الى عدم العلم والجهل من سأل عنها { أيان مرساها } وقوعها سؤال عن توقيت الساعة { قل إنما علمها عند ربي } لانه استأثره لنفسه { لا يجليها لوقتهآ } لا يظهرها فى وقتها { إلا هو ثقلت في السماوات والأرض } لان صغريها وكبريها ترفع الحدود والتعينات وتميت الانيات وتظهر الحق وتبيد الباطل وليست السماوات والارض وأهلهما الا التعينات والانيات الباطلة ولا ثقل اثقل مما يرفع الشيء ولا يبقى له اثرا { لا تأتيكم إلا بغتة } من غير تقدم اثر وعلامة { يسألونك كأنك حفي عنها } يعنى يلحون فى السؤال عنك كأنك ملح علينا فى السؤال عنها { قل إنما علمها عند الله } تأكيد فى الرد عليهم { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } انها مما ليس يبذلها الله لغيره وانها فوق الوقت لا يمكن توقيتها بوقت.

[7.188]

{ قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا } فلا يكون لى الاطلاع على الغيوب وهو تبرء من الانانية واقرار بالعجز والعبودية، كما هو شأن العارف بالربوبية وكناية عن نفى علم الغيب عن نفسه مطلقا اشارة الى العجز فى قوته العمالة والجهل فى قوته العلامة بحسب التنزل الى مقام البشرية وما كان يظهر منه القدرة والعلم بالغيوب، فانما هو بحسب جنبته الملكوتية التى هى من عالم الربوبية { إلا ما شآء الله } ان يملكنى على ظاهره ويعلمنى على معناه المكنى { ولو كنت أعلم الغيب } تصريح بالنفى المكنى تأكيدا وتحقيق له بالبرهان الحسى على زعمهم فانهم لا يرون خيرا الا ما زعموه خيرا من الاعراض الدنيوية { لاستكثرت من الخير } السعة فى المال والصحة والسلامة { وما مسني السوء } الآفة فى المال وفى الانفس { إن أنا إلا نذير } للكافرين بقرينة المقابلة مع بشير، وتقييده بالمؤمنين او مطلقا كما هو ظاهره لكن المؤمنين من الجهات النفسانية التى تؤدى الى الكفر وللكفار من كفرهم { وبشير لقوم يؤمنون } نفى لجملة الشؤن عن نفسه واثبات للانذار والتبشير الذين هما بأمر الله كأنه قال: ليس لى شأن الا امر الله وهو غاية التوحيد فعلا وصفة، ولما كان هذا منه (ص) توحيدا عقبه تعالى شأنه باشراك آدم وحواء فى مخلوقه الذى لا ينبغى الاشراك فيه اشراكا فى الآلهة، وهو ينافى توحيد اله العالم الذى هو دون توحيد الافعال والصفات ابداء لفضله (ص) وتقديما لذم اولادهما فى الشرك فى العبودية الذى هو اقبح من الشرك فى الآلهة ومستلزم له فقال { هو الذي خلقكم من نفس واحدة }.

[7.189-190]

{ هو الذي خلقكم من نفس واحدة } منا منه سبحانه بنعمة الوجود اثباتا لتوحيده فى العبادة ولذا وبخهم على الاشراك معللا بان ما جعلوه شريكا لا يخلق شيئا { وجعل منها زوجها ليسكن إليها } اذاراءاها من سنخها، وتذكير ضمير يسكن بلحاظ المعنى ويجوز ان يراد بنفس واحدة، حواء ويكون معنى جعل منها زوجها جعل من سنخها زوجها وهما آدم (ع) وحواء (ع) فى العالم الكبير والجهتان العقلانية والنفسانية للانسان اللتان هما نازلتا العقل فى العالم الصغير { فلما تغشاها حملت حملا خفيفا } لا يظهر اثر ثقله { فمرت به } استمرت مع الحمل { فلمآ أثقلت } صارت ذات ثقل { دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا } فى النفس والبدن { لنكونن من الشاكرين فلمآ آتاهما صالحا } منة اخرى عليهما { جعلا له شركآء فيمآ آتاهما } بدلا النعمة بالكفران والوعد بالخلف. اعلم، ان للاشراك بالله مراتب عديدة: الاول، الاشراك به فى وجوب وجوده كاشراك اكثر الثنوية القائلين بان للعالم مبدئين قديمين مسميين بالنور والظلمة او يزدان واهريمن، والثانى، الاشراك فى الالهة كاشراك بعض الثنوية القائل بان القديم والواجب الوجود واحد والظلمة او اهريمن مخلوق منه لكن له الآلهة فى العالم وان الشرور كلها منه لا من الله، والثالث، الاشراك فى العبادة كاشراك اكثر الصابئين واشراك الوثنيين والعجليين وغيرهم ممن يعبد غير الله من مخلوقاته تقربا بها الى الله، والرابع، الاشراك فى الوجود كاشراك معظم الناس الا من شذ الذين لا يرون فى الوجود الا الموجودات المتكثرة المتقابلة كل من الآخر والكل مع الله، والخامس، الاشراك فى الطاعة كاشراك من اشرك فى طاعة الانبياء (ع) والاولياء (ع) وخلفائهما طاعة غيرهم من ائمة الجور وعلماء السوء والسلاطين والامراء والحكام، والسادس، الاشراك فى المحبة كاشراك من اشراك فى محبة الله ومحبة خلفائه محبة غيره وكاشراك من اشرك فى المحبة بان كان مصدرها آلهيا ونفسانيا او غايتها آلهيا ونفسانية، والسابع، الاشراك فى الولاية وهى اشدها واعظمها بان اشرك مع ولى الامر او نبى الوقت غيره فى البيعة الخاصة الولوية او العامة النبوية او اذعن بنبوة من ليس بنبى او بولاية من ليس له الولاية، فقوله تعالى: { وما يؤمن أكثرهم بالله الا وهم مشركون } ، المقصود منه احد المعانى السابقة غير الثلاثة الاول وكل هذه المعانى غير الكفر بالله فى كل مرتبة فانه يقتضى قطع النظر عن الله واستبداد النظر الى غيره، وما يجرى فى اهل العالم الكبير يجرى فى اهل العالم الصغير من غير فرق، ومعانى الاشراك غير الثلاثة الاول وغير المعنى الاخير يجوز اعتبارها ههنا ان كان المراد ان آدم وحواء حقيقة جعلا له شركاء كما فى الخبر وانما شركهما شرك طاعة وليس شرك عبادة، وفى حديث: جعلا للحارث نصيبا فى خلق الله ويناسب الشرك فى المحبة بأحد معانيه وقوله تعالى:

وشاركهم في الأموال والأولاد

[الإسراء:64] يناسب هذا الشرك والشرك فى الطاعة، وان كان المراد ان اولاد آدم (ع) جعلوا له شركاء فيما آتاهم والنسبة الى آدم (ع) وحواء كانت مجازا كما فى الخبر، ويؤيده قوله تعالى { فتعالى الله عما يشركون } بصيغة الجمع امكن اعتبار جميع اقسام الشرك ونسبة الشرك الى اولادهما اما بطريق المجاز فى الحذف بان يكون فاعل جعلا اولادهما، لكنه حذف واقيم المضاف اليه مقامه او بطريق المجاز فى الحكم بان يكون المحكوم عليه الاولاد لكنه نسب اليهما باعتبار ان الاتباع والاولاد كالاجزاء او النسبة الى الاولاد باعتبار ان يراد الجنس من لفظ صالحا وحينئذ يشمل الذكور والاناث، وضمير جعلا يرجعنا الى صالحا باعتبار الصنفين كما فى الخبر، ولما علم من السابق ان الله خالق والخالق لا يساوى المخلوق اتى بالفاء الدال على التسبيب والتفريع فقال { فتعالى الله عما يشركون } عن الذى يشركون او عن اشراكهم.

[7.191]

{ أيشركون ما لا.. } توبيخ بوجه آخر فان الاول باعتبار ان الخالق المنعم شأنه ان يوحد ولا ينظر معه الى غيره من غير اعتبار وصف للشريك وهذا باعتبار ان ما لا يخلق بل هو مخلوق لا ينبغى ان يجعل شريكا للخالق.

[7.192-193]

Unknown page