Tafsīr Bayān al-Saʿāda fī maqāmāt al-ʿibāda
تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة
{ قل } لهم موادعة وتعريضا بنصحهم بابلغ وجه { إنني هداني ربي } فلا حاجة لى اليكم ولا تعرض لى بكم فانتم وشأنكم { إلى صراط مستقيم } هو صراط القلب وهو الولاية التكوينية وبالولاية التكليفية الحاصلة بالبيعة الخاصة الولوية ينفتح صراط القلب، وهما ظهور الولاية المطلقة ونازلتها والولاية المطلقة متحدة مع على (ع) وعلويته، فصح تفسير الصراط بالولاية تارة وبعلى (ع) اخرى { دينا قيما } الدين قد مضى قبيل هذا تحقيقه، والقيم الدين الذى لا اعوجاج له { ملة إبراهيم } اظهار لنصحهم بان دينه دين ابراهيم الذى لا اختلاف لهم فى حقيته { حنيفا } الحنيف المستقيم والصحيح الميل الى الاسلام الثابت عليه وكل من حج او كان على دين ابراهيم (ع) وهو حال من مفعول هدانى او صفة دينا او حال منه او من المستتر فى قيما او من ملة ابراهيم (ع)، والتذكير باعتبار معنى الملة وهو الدين او من ابراهيم على ضعف جعل الحال من المضاف اليه من دون كون المضاف عاملا، او فى حكم السقوط { وما كان من المشركين } عطف على حنيفا او حال من المستتر فيه او حال بعد حال بناء على ان حنيفا حال من ابراهيم (ع) وهو تعريض بانهم مخالفون لابراهيم (ع) فى شركهم فهم مبطلون لان ابراهيم (ع) كان محقا بالاتفاق.
[6.162-163]
{ قل } بعد نفى الشرك الصورى عن نفسك نفيا للشرك المعنوى تأكيدا لنفى الشرك الصورى { إن صلاتي ونسكي } تعميم بعد تخصيص اهتماما بالخاص فانه عمود الدين واصل كل نسك { ومحياي ومماتي } يعنى ان افعالى التكليفية الاختيارية واوصافى التكوينية الالهية خالصة من شوب مداخلة النفس والشيطان { لله رب العالمين لا شريك له } تعميم بعد تخصيص وتأكيد لما يفهم التزاما فانه اذا لم يكن فى افعاله واوصافه شريك لله لم يكن فى وجوده شريك لله، واذا لم يكن فى وجوده شريك لله لم ير فى العالم شريكا لله، لان رؤية الشريك فى العالم يقتضى السنخية بين الرائى والمرئى الذى هو العالم الذى فيه شريك، والسنخية تقتضى الشريك لله فى وجوده وكون الشريك فى وجوده يقتضى الشريك فى صفاته { وبذلك أمرت } تعريض بهم بان شركهم غير مبتن على امر { وأنا أول المسلمين } لان كل من أخلص ذاته وصفاته وافعاله وجميع ماله لله تعالى، فهو مقدم على الكل وخاتم سلسلة الصعود واقرب الصاعدين اليه، وهو اول من اقر فى الذر بالوحدانية كما ورد فى الخبر ولانه اول من اتصف بدين الاسلام.
[6.164]
{ قل } لهم انكارا لابتغاء غير الله ربا مع اقامة الدليل على ذلك الانكار بان غيره مربوب تعريضا بمن اخذ غيره ربا { أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء } وغيره مربوب فما حالكم اذا انحرفتم عن الرب وجعلتم المربوب ربا { ولا تكسب كل نفس إلا عليها } هذا مما استعمل فيه سلب الايجاب الكلى فى السلب الكلى ومثله كثير فى الآيات والاخبار واستعمال العرب، والمقصود ان ابتغاء غير الله ربا مع كونه مربوبا وبال لا محالة ولا يمكننى طرح هذا الوبال على غيرى، لأنه لا تكسب كل نفس ما تكسب مما هو وبال الا عليها يعنى كسبكم الوبال باتخاذ غير الرب ربا وبال عليكم { و } لا يمكن غيرى ان يحمل وبالى عنى لانه { لا تزر وازرة وزر أخرى } هذه مجادلة بالتى هى أحسن بحيث لا يورث شغبا ولجاجا للخصم حيث نسب ابتغاء غير الله ربا الى نفسه وذكر مفاسده وعرض بهم { ثم إلى ربكم مرجعكم } يوم القيامة نسب الرجوع اليهم دون نفسه تنبيها على التعريض بحيث لا يمكنهم رده { فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون } وهو الدين الذى فرقتموه على اهويتكم او اختلفتم فى بطلانه وحقيته، وفيه تعريض بالامة كأنه قال فتنبهوا يا امة محمد (ص) فلا تختلفوا بعده فى الدين الذى أتمه بولاية على (ع).
[6.165]
{ وهو الذي جعلكم خلائف الأرض } عطف على قوله هو رب كل شيء او حال معمول لواحدة من الجمل السابقة وتعليل آخر لانكار ابتغاء غيره ربا وبيان لكيفية ربوبيته بما فيه غاية الانعام على طريق الحصر، يعنى هو الذى جعلكم خلائف الارض لا غيره الذى هو مربوب والمقصود انه جعلكم خلائفه فى ارض العالم الكبير بان اعطاكم قوة التميز والتصرف فيها باى نحو شئتم واباح لكم التصرف فيها، وفى ارض العالم الصغير بان مكنكم فيها وجعل لكم فيها كل ما جعل لنفسه من الجنود والحشم وسخرها لكم مثل تسخرها لنفسه، وهذه هى غاية الانعام حيث خلقكم على مثاله { ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم } ايها المرفوعون { في مآ آتاكم } من جاهكم ومالكم وقواكم وبسطكم واحتياج غير المرفوعين اليكم كيف تعاملون مع انفسكم ومع الله باداء الشكر وصرف النعمة فى وجهها ومع المحتاجين بايصال حقوقهم اليهم، فعلى هذا كان الخطاب للمرفوعين، او يكون الخطاب للمرفوعين وغيرهم جميعا، فان المحتاج مبتلى بحاجته كما ان المرفوع مبتلى بالمحتاج { إن ربك سريع العقاب } استيناف من الله وخطاب لمحمد (ص) او خطاب عام وجواب لسؤال مقدر كأنه قيل: ما يريد بالابتلاء؟ - فقال: يريد عقوبة المسيء ورحمة المحسن منهم لان ربك سريع العقاب، وتقديم العقاب لقصد ختم السورة بالرحمة رحمة بهم { وإنه لغفور رحيم } عن الصادق (ع) ان سورة الانعام نزلت جملة واحدة شيعها سبعون الف ملك حتى نزلت على محمد (ص) فعظموها وبجلوها فان اسم الله فيها فى سبعين موضعا، ولو يعلم الناس ما فى قراءتها ما تركوها وكفى به فضلا.
[7 - سورة الأعراف]
[7.1]
قد مضى فى اول البقرة، انه فى حال المحو والغشى وانقلاب الدنيا الى الآخرة يرى الانسان ويشاهد من الحقائق فيعبر له عما يشاهده بالحروف المقطعة ويفهم من تلك ما يشاهد من الحقائق، ثم بعد الافاقة لا يمكنه القاء تلك الحقائق على الغير وافهامها اياه فضلا عن التعبير عنها بتلك الحروف وافهامها بها، واذا القى تلك الحروف على غيره مشيرا الى تلك الحقائق لا يمكن له تفسيرها الا بما يناسبها كالمنامات وتعبيراتها، فان المناسبات التى تذكر للغير كالمناسبات التى يراها النائم من الحقائق فى المنام، فان حال الخلق بالنسبة الى الحقائق كالحال النائم بالنسبة اليها من غير فرق، لان الخلق نائمون عن الحقائق ولذلك اختلف الاخبار فى تفاسيرها وتحير الخلق فى فهمها والتعبير عنها وقد ذكر فى تفسيرها وجوه عديدة متخالفة متناسبة فى الاخبار والتفاسير؛ والكل راجع الى ما ذكرنا من التعبير عن تلك الحقائق بما يناسبها وتفسيرها بحسب صورة تلك الحروف من حيث الخواص والاعداد والفوائد المترتبة عليها والاشارات المستنبطة منها، كقيام قائم من ولد هاشم عند انقضاء مدة مقطعات اول كل سورة منها، وانقضاء ملك بنى امية عند انقضاء المص كما ورد فى الاخبار لا ينافى ما ذكرنا، فانها مما يستنبط من اعتبار حروفها ولا ينافى ذلك اعتبار حقائقها.
Unknown page