232

[آل عمران: 92]. وتعطينا كل هذه الآيات وضوح الفرق بين الملكية، وبين حب المملوك، فمن الممكن أن تكون لديك أشياء كثيرة أنت مالكها، ولكن ليس كل ما تملكه تحبه، فعندما تؤتي المال فمن المحتمل أن تكون قد نزعته من ملكيتك وأنت لا تحبه. وبذلك أخرجته من ملكيتك فقط، وإما أن تكون محبا للشيء الذي تعطيه لغيرك، وبذلك تكون قد أخرجته من ملكيتك، ومن حبك له. وإما أن يكون المال الذي في يدك مجرد أداة لك ولغيرك وليس له مكانة في قلبك، ولذلك يقول الشاعر:

لا أبالي توفير مالي لدهري

منفقا فيه في رخاء وبأس

إن يكن في يدي وليس بقلبي

فهو ملكي وليس يملك نفسي

إن قوله الحق: { وآتى المال على حبه } [البقرة: 177] تعطينا إما منزلة إخراجه من الملك وإما منزلة إخراجه من القلب الذي يحبه. ولذلك يعيب الحق على جماعة من الناس يريدون العمل على طاعة الله، لكنهم لا ينفقون لله إلا مما يكرهون. ويقول الله في حقهم

ويجعلون لله ما يكرهون

[النحل: 62]. ولكن لمن يكون ذلك المال الذي ينطبق عليه القول: { وآتى المال على حبه } [البقرة: 177]؟. إنه، ل { ذوي القربى } [البقرة: 177] ألا ترون إنسانا له حركة في الحياة قد اتسعت لنفسه، ثم، نرى قرباه الذين لا يقدرون على الحركة محتاجين، كيف تكون حالة نفسيته إذن؟. لابد أن تكون نفسية متعبة لأن المفروض في الإنسان المؤمن أن يجعل كل الناس قرباه، ونذكر في هذا المقام قصة معاوية عندما كان أميرا للمسلمين، ودخل عليه الحاجب وهو يقول: يا أمير المؤمنين رجل بالباب يدعي أنه " أخوك " ، فقال معاوية: أبلغ بك الأمر ألا تعرف إخوتي؟ أدخله. فلما دخل الرجل قال له معاوية: أي إخوتي أنت؟ قال: أخوك من آدم. فماذا قال معاوية؟ قال: رحم مقطوعة، والله لأكونن أول من وصلها. وأكرمه. فإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يصل قرباه من الناس كافة، ألا يستطيع أن يصل خاصة أقاربه؟. كيف يستطيب المؤمن - إذن - نعيم الحياة وهو يجد أقاربه محتاجين، حتى لو نظرنا بعيدا عن الدين والإنسانية، ألا تستحق المسألة أن يجود الإنسان بما عنده على أهله؟. وفي دائرة الإيمان حين يجعل الله حركة الحياة في التكافل دوائر، فهو سبحانه يريد أن يوزع خير المجتمع على المجتمع لأنه سبحانه حينما أراد استبقاء النوع شرع لنا طهر الالتقاء بين الرجل والمرأة بعقد علني وشهود، لماذا؟.

لأن الثمرة من الزواج هي الأبناء التي ستأتي بقطاع جديد من البشر في الكون، وهذا القطاع لابد أن يكون محسوبا على الرجل أمام الناس، وإن لم يرع الرجل في أبنائه حق الله يلمه الناس على ذلك لأنهم أبناؤه. ولذلك عندما نرى شخصا يخفي زواجه، كأن يتزوج زواجا عرفيا مثلا نقول له: أنت تريد أن تأتي بثمرة منك ثم تنكرها، فيأتي أبناء غير محسوبين عليك. ولذلك فلنكن على ثقة من أن كل مشرد في الأرض نراه هو نتيجة لخطيئة إما معلنة، وإما لا يقدر على إعلانها رجل لم يتحمل مسئولية علاقته بالمرأة، ولا يهمل رجل ولدا منسوبا له إلا إذا تشكك في نسبه إليه، وهذا ما يجعله ينكر نسبه. إذن فعملية الطهر التي أرادها الله سبحانه وتعالى في الالتقاءات بين الرجل والمرأة، إنما أرادها سبحانه لأنه يشرع لبناء أجيال جديدة، ينشأ منها مجتمع المستقبل، وقبل أن يوجد هؤلاء الأبناء لابد أن يكون لهم رصيد وأساس يتحملهم، فجعل الله لنا الأولاد والأحفاد، ويوصي الله الأبناء على الوالدين قبل ذلك، ثم تتسع الدائرة للقرابة القريبة. وهات واحدا واصنع له هذه الدائرة، وهات آخر واصنع له الدائرة نفسها، وثالثا واصنع له دائرته، واصنع إحصاء للقادرين وحدد دوائرهم العائلية، ستجد كل إنسان في الكون يدخل في دائرة من هذه الدوائر، فإن رأيت عوجا فاعلم أن مركز الدائرة قد تخلى عن محيط الدائرة. والله سبحانه وتعالى يقول: { وآتى المال على حبه ذوي القربى } [البقرة: 177]، تأمل - إذن - الحث على البر تجد أن أول ما جاء فيه هو إيتاء ذوي القربى لأن لهم مكانة خاصة وعندما يؤتي كل منا قرباه ويحملهم على فائض ماله وفائض حركته فلن يوجد محتاج، وإذا وجد المحتاج فسيكون نزرا يسيرا، وتتسع له الزكاة الواجبة. أو كما قال بعض العلماء: المقصود بذوي القربى هم قربى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقولون ذلك لأن في القرآن آية تقول:

قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى

Unknown page