977

فالمعلوم من حال من صرف أوقاته لنقل الأقوال وحفظ الروايات وغرضه عرضها على الناس مع عدم اصلاح نفسه بتهذيب الأخلاق، واقتناء العلوم الحقيقية، التي ليس فيها شهرة، وتفاخر، وكسب منزلة عند الناس - أنه غير معتن بأمر الدين، ولا ذو اهتمام بتحصيل المنزلة عند الله بطلب المعرفة واليقين، وتجريد النفس عن شواغل الهوى، وشهوات الدنيا. ولهذا ورد أخبار كثيرة في مذمة أمثاله:

قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في كلام له خطب به: " أيها الناس إذا علمتم فاعملوا بما علمتم لعلكم تهتدون... وإن أنصحكم لنفسه أطوعكم لربه، وأغشكم لنفسه أعصاكم لربه ".

وعن مصعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وعلي بن إبراهيم عن أبيه، عن ابن محبوب - رفعه - عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: " إن من أبغض الخلق إلى الله عز وجل لرجلين: رجل وكله الله إلى نفسه، فهو جائر عن قصد السبيل، مشغوف بكلامه بدعة، قد لهج بالصوم والصلاة. فهو فتنة لمن افتتن به، ضال عن هدى من كان قبله، مضل لمن اقتدى به في حياته وبعد موته، حمال خطايا غيره، رهن بخطيئته.

ورجل قمش جهلا في جهال الناس، عان بأغباش الفتنة، قد سماه أشباه الناس عالما ولم يغن فيه يوما سالما، بكر فاستكثر، ما قل منه خير مما كثر، حتى ارتوى من آجن، واكتنز من غير طائل، جلس بين الناس قاضيا ضامنا لتخليص ما التبس على غيره، وإن خالف قاضيا سبقه لم يأمن أن ينقض حكمه من يأتي بعده، كفعله بمن كان قبله، وإن نزلت به إحدى المبهمات المعضلات هيأ لها حشوا من رأيه ثم قطع به.

فهو من لبس الشبهات في مثل غزل العنكبوت، لا يدري أصاب أو أخطأ. لا يحسب العلم في شيء مما أنكر، ولا يرى أن وراء ما بلغ فيه مذهبا، إن قاس شيئا بشيء لم يكذب نظره، وإن أظلم عليه أمر اكتتم به لما يعلم من جهل نفسه، لكيلا يقال له: " لا يعلم " ثم جسر يقضي. فهو مفتاح عشوات، ركاب شبهات، خباط جهالات، لا يعتذر مما لا يعلم فيسلم، ولا يعض في العلم بضرس قاطع فيغنم، يذري الروايات ذرو الريح الهشيم ، تبكي منه المواريث، وتصرخ منه الدماء، ويستحل بقضائه الفرج الحرام، ويحرم بقضائه الفرج الحلال.

وروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: " إن في النار رجلا يتأذى أهل النار بريحه ". فقيل: " من هو يا رسول الله "؟ فقال: عالم لا ينتفع بعلمه ".

وقال (صلى الله عليه وآله):

" مثل الذي يعلم الناس ولا يعمل به كالسراج يضيء للناس ويحرق نفسه ".

وفي الخبر:

" يطلع قوم من أهل الجنة إلى قوم من أهل النار، فيقولون لم دخلتم النار وإنما دخلنا الجنة بفضل تعليمكم؟! فقالوا: إنا كنا نأمر بالخير ولا نفعله ".

Unknown page