Tafsīr ṣadr al-mutaʾallihīn
تفسير صدر المتألهين
وذكر الشيخ العارف المحقق محيي الدين الأعرابي في الفتوحات: " إنا رأينا جماعة من الفقهاء والقضاة على هذا الشأن ".
وقال: " لقد أخبرني الملك ظاهر بن الملك صلاح الدين - وقد وقع بيني وبينه كلام في مثل هذا - فنادى بمملوك وقال: جئني بالجرمدان.
فقلت: ما شأن الجرمدان؟ فقال: أنت تنكر علي ما يجري في بلدي ومملكتي من المنكرات والظلم. وأنا - والله - أعتقد مثل ما تعتقد أنت فيه من ذلك. فعليهم لعنة الله. ولقد أفتاني فقيه هو فلان - وعين لي أفضل فقيه عنده في بلده في الدين والتفشف - بأنه لا يجب علي صوم شهر رمضان هذا بعينه. بل الواجب علي شهر في السنة. والاختيار لي فيه أي شهر شئت من الشهور قال السلطان: فلعنته في باطني ولم أظهر له ذلك، وهو فلان وسماه لي رحم الله جميعهم.
وليعلم أن الشيطان قد مكنه الله من حضرة الخيال وجعل له السلطان فيها. فإذا رأيت الفقيه يميل إلى هوى تعرف أنه تردى عند الله، زين الله له سوء عمله بتأويل غريب يمهد له فيه وجها، فحسنه في نظره، فإذا مهد له هذا السبيل جنح إلى نيل هواه وشهوته بوجه شرعي في زعمه، فلا يزال هكذا فعله " انتهى كلامه.
واعلم أن علماء العلوم الحقيقية آمنين سالمين من هذه الأمراض والفتن، فإن علومهم وحالاتهم مختفية عن العوام والحكام، وإنما يعرض هذه الأمراض والفتن - أكثر ما يعرض - للوعاظ والفقهاء الذي اقتصروا على علم الفتاوى والحكومات، والمعاملات الدنيوية الجارية بين الخلق لمصالح المعايش، وخصصوا علم الفقه بها وسموه علم المذهب وعلم الدين، فربما ضيعوا مع ذلك الأعمال الظاهرة والباطنة فلم يتفقدوا الجوارح، ولم يحرسوا اللسان عن الغيبة، والبطن عن الحرام، والرجل عن المشي إلى السلطان، وكذا سائر الجوارح. ولم يحرسوا قلوبهم عن الكبر، والحسد، والرياء، وسائر الملكات المهلكات.
قال الغزالي في كتاب الإحياء مشيرا إليهم: " هؤلاء هم المغرورون من وجهين: أحدهما من حيث العمل والآخر من حيث العلم.
أما من حيث العمل: فمثلهم كمثل المريض، إذا تعلم نسخة الدواء واشتغل بتكراره وتعليمه - لا - بل مثلهم كمثل من به علة البواسير أو البرسام، وهو مشرف على الهلاك، محتاج إلى تعلم الدواء واستعماله، واشتغل بتعلم دواء الاستحاضة وبتكرار ذلك ليلا ونهارا، مع علمه بأنه رجل لا يحيض ولا يستحيض، ولكن يقول: ربما يقع علة الاستحاضة بامرأة تسألني عنها. فذلك غاية الغرور.
فكذلك المتفقه المسكين قد تسلط عليه حب الدنيا واتباع الشهوات، والحسد والكبر والرياء وسائر المهلكات الباطنة، وربما يختطفه الموت قبل التوبة والتلافي، ويلقى الله وهو عليه غضبان، فترك ذلك كله واشتغل بعلم السلم، والاجارة، والظهار، واللعان، والجراحات، والديات، والدعاوى والبينات، وبكتاب الحيض. ولا يحتاج إلى شيء من ذلك في عمره لنفسه، وإذا احتاج غيره كان للمفتين كثرة.
فيشتغل بذلك ويحرص عليه لما فيه من الجاه والرياسة. وقد دعاه الشيطان ولا يشعر، إذ المغرور يظن أنه مشغول بفرض دينه، وليس يدري أن الاشتغال بفرض الكفاية قبل الفراغ عن فرض العين معصية.
هذا لو كانت نيته صحيحة كما قال: وقد قصد بالتفقه وجه الله، وأما غروره من حيث العلم فحيث اقتصر على علم الفتاوى وظن أنه علم الدين، وترك علم كتاب الله وسنة رسوله، وترك أيضا علم تهذيب الأخلاق وترك الفقه في الله بإدراك جلاله وعظمته، وهو العلم الذي يورث الخوف والهيبة والخشوع، ويحمل على التقوى.
Unknown page