Tafsīr ṣadr al-mutaʾallihīn
تفسير صدر المتألهين
قوله: { ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا }
أي: ولا تستبدلوا الإيمان بالرسول، وتعلم الحكمة، والاطلاع على آيات الله بثمن قليل من مال الدنيا وجاهكم الحقير عند أبنائها.
وفي الكشاف: " الثمن القليل هو الرئاسة التي كانت لهم في قومهم، خافوا عليها الفوات لو أصبحوا أتباعا لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، فاستبدلوها - وهي بدل قليل ومتاع يسير - بآيات الله، وبالحق الذي كل كثير إليه قليل، وكل كبير إليه حقير. فما بال القليل الحقير! وقيل: كانت عامتهم يعطون أحبارهم من زروعهم وثمارهم، ويهدون إليهم الهدايا، ويرشونهم الرشا على تحريفهم الكلم وتسهيلهم لهم ما صعب عليهم من الشرائع، وكان ملوكهم يدرون عليهم الأموال ليكتموا ويحرفوا ".
واعلم أن العادة جارية في كل زمان بأنه إذا ظهر واحد من أهل الحق وأولياء الله، فأول من يسعى في ابطال حقه ويريد إطفاء نوره في أكثر الأمر هم علماء السوء ورؤساء حملة الكتاب، أو المغترون بالشريعة التي كانوا عليها، وذلك لأن ظهور حاله يوجب كشف نقائصهم وجهالاتهم على الناس، وفي ذلك انحطاط منزلتهم عند الخلق، ونقصان جاههم، وسقوطهم عن أعين السلاطين، وجميع ذلك هو مطمح أنظارهم في اكتساب العلوم والديانة.
فالله سبحانه أشار إلى أن محافظتهم على هذه الأمور الدنيوية في ترك متابعتهم الرسول (صلى الله عليه وآله) وإن كان ثابتا إلا أن لهم في ذلك تفويت للسعادة الأخروية بتحصيل مقامات العلم واليقين.
فإن كمال النفس الإنسانية بتحصيل ما عليه الواجب من صيرورتها جوهرا عقليا مضاهيا للجواهر القدسية والملائكة العقلية، فإذا ترك ذلك التحصيل واشتغل بتحصيل اللذات الدنيوية وحفظ الرياسات الحيوانية، فكأنه باع الملك، واشترى الحيوان، وباع البهجة القصوى، والسعادة الأبدية باللذة الحيوانية الفانية ولا شك أنه باع أمرا جليلا بثمن قليل، لأن لذة الدنيا بحذافيرها بالنسبة إلى نعيم الآخرة قليلة جدا، بل كنسبة المتناهي إلى غير المتناهي.
والثمن والعوض والبدل نظائر وبينها فروق:
و " الثمن " هو البدل في البيع، وكذا " القيمة ". والبدل أعم في ذلك. والفرق بين الثمن والقيمة أن الثمن قد يكون وفقا، وقد يكون بخسا، وقد يكون زائدا، والقيمة لا تكون إلا مساوية من غير زيادة ولا نقصان.
قال الفراء: إنما أدخل الباء في " الآيات " دون " الثمن " وفي سورة يوسف أدخله في الثمن في قوله:
وشروه بثمن بخس
Unknown page