Tafsīr ṣadr al-mutaʾallihīn
تفسير صدر المتألهين
ومنها ما جاء في الفصل العشرين من هذا السفر: " إن الرب تعالى جاء في طور سيناء وطلع لنا من ساعير، وظهر من جبال فاران، وصف عن يمينه عنوان القديسين، فمنحهم العز وحببهم إلى الشعوب، ودعا لجميع قديسيه بالبركة ".
يريد الاخبار عن إنزال التوراة على موسى (عليه السلام) بطور سيناء، وإنزال الإنجيل على عيسى (عليه السلام) بساعير، فإنه كان يسكن من سيعير بقرية تسمى " ناصرة " وإنزال القرآن على محمد (صلى الله عليه وآله) بمكة، فإن " فاران " في طريق مكة قبل العدن بميلين ونصف وهو كان المنزل، وقد بقي اليوم على يسار الطريق من العراق إلى مكة.
قال اليهود: إن النار لما ظهرت من طور سيناء ظهرت من ساعير نار أيضا، وكذا من جبل فاران أيضا، فانتشرت المواضع.
وما ذكروه باطل، لأن الله لو خلق نارا في موضع فإنه لا يقال: " جاء الله من ذلك الموضع " إلا إذا تبع تلك الواقعة وحي نزل في ذلك الموضع، أو ما شابه ذلك، وعندكم أنه لم يتبع ظهور النار وحي ولا كلام إلا من طور سيناء، فما كان ينبغي إلا أن يقال: " جاء الله من طور سيناء فقط " فأما أن يقال: " ظهر من ساعير ومن جبل فاران " فلا يجوز وروده، كما لا يقال: " جاء الله من الغمام " إذا ظهر في الغمام احتراق ونيران، كما يتفق في الربيع.
وتصديق ذلك ما في كتاب حبقوق، وهو: جاء الله من طور سيناء، والقدس من جبال فاران، لقد انكشفت السماء من بهاء محمد (صلى الله عليه وآله)، وامتلأت الأرض من حمده، يكون شعاع منظره مثل النور يحفظ بلده بعزة؛ تسير المنايا أمامه، ويصحب سباع الطير أجناده، قام فمسح الأرض، وتأمل الأمم، وبحث عنها، فتضعضعت الجبال القديمة، واتضعت الروابي الدهرية، وتزعزعت سور أهل مدين، وركبت الخيول، وعلت مراكب الانقياد والغوث وستنزع في فيك إغراقا نزعا، وترتوي السهام بأمرك يا محمد ارتواء، تخور الأرض بالأنهار، ولقد رأتك الجبال فارتاعت، وانحرف عنك شؤبوب السيل، ونفرت المهاوي نفيرا ورعبا ورهبا، ورفعت أيديها وجلا وخوفا، وتوقفت الشمس والقمر عن مجراهما، وسارت العساكر في برق سهامك ولمعان بيانك تدوخ الأرض غضبا، وتدوس الأمم زجرا، لأنك ظهرت بخلاص أمتك وإنقاذ تراث آبائك ".
هكذا نقل علي بن رزين الطبري إمام النصارى.
قال أبو الحسين في كتاب الغرر: وإني رأيت في نقولهم: " وظهر من جبال فاران، لقد تقطعت السماء من بهاء محمد المحمود، وترتوي السهام بأمرك المحمود لأنك ظهرت بخلاص أمتك وإنقاذ مسيحك ".
فظهر أن المراد بقوله تعالى: " ظهر الرب من جبل فاران " ليس ظهور بالنار، بل ظهور شخص موصوف بتلك الصفات، وليس إلا محمد (صلى الله عليه وآله)، فإن قالوا: المراد مجيء الله تعالى، ولهذا قال في آخر الكلام وإنقاذ مسيحك ".
قلنا: لا يجوز وصف الله تعالى بأنه يركب الخيول، وبأنه جاء للمساعي القديمة.
وأما قوله: " وإنقاذ مسيحك " فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنقذ المسيح من كذب اليهود والنصارى.
Unknown page