906

فضل هذه الأمة على بني إسرائيل

اعلم أن في الآية إشعارا لطيفا بانحطاط درجة هؤلاء المخالفين من أهل الكتاب عن منازل المحببن والمقربين حيث خاطبهم الله بذكر النعمة، واستمالهم وجذب قلوبهم بهذه الملاذ الدنيوية، والمقاصد النفسانية، كإنزال المن والسلوى لهم في التيه، وتظليل الغمام عليهم، وتفجير العيون الإثني عشر، واعطائهم الحجر الذي كرأس الرجل يسقيهم ما شاءوا من الماء متى أرادوه، فإذا استغنوا عن الماء رفعوه، فاحتبس، واستنقاذهم مما كانوا فيه من البلاء من فرعون وقومه، وتخليصهم من العبودية، وتنجيتهم من الغرق، وجعلهم ملوكا بعد أن كانوا عبيدا لآل فرعون والقبط، وإيراثهم أرضهم وديارهم كما قال:

وأورثنا بني إسرائيل

[غافر:53]. وإعطائهم عمودا من نور ليضيء لهم الليل، وكانت رؤوسهم لا تتشعث، وثيابهم لا تبلى.

وهذه كلها من النعم الدنيوية ولو كانوا من أهل القلوب المنورة بأنوار المحبة والمعرفة لما احتاجوا في تعلم مسالك الدين، والاهتداء بهدى المؤمنين إلى تذكر أحوال النعم، بل كان المهم فيهم تذكر أحوال المنعم، وكيفية صفات جماله وجلاله، وآيات ملكوته وجبروته، وقد قال بعض العارفين: " عبيد النعم كثيرون، وعبيد المنعم قليلون ".

فانظر إلى التفاوت بينهم وبين هذه الأمة المرحومة، حيث قال لهم: { اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } وقال لهذه الأمة بقوله:

فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون

[البقرة:152]. ولم يقل: " فاذكروا نعمتي " أو " اشكروا نعمتي " أو " لا تكفروا نعمتي ".

وفيه أيضا إشارة إلى أن ذكر خواص هذه الأمة لله من نتائج خواص ذكر الله إياهم في الأزل بوجهين:

أحدهما: إن ذكره عبارة عن عمله، وعلمه بالعبد متقدم على إيجاده المتقدم على ذكره لله.

Unknown page