Tafsīr ṣadr al-mutaʾallihīn
تفسير صدر المتألهين
[يونس:7]. وقال:
يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور
[الممتحنة:13].
فلما جهل أبناء الدنيا عن أحوال الآخرة ومقاماتها، اشتغلوا عند ذلك بطلب الدنيا، ونعيمها، ولذاتها، وشهواتها، وتمنوا الخلود فيها، لأنها محسوسة لهم يشاهدونها بحواسهم - وتلك الدار ونعيمها ولذاتها ومشتهياتها غائبة عنهم وعن ادراك حواسهم - فتركوا البحث عنها، والرغبة فيها، والطلب لها، والسعي إلى ذكر الله وذكر الآخرة، فلا جرم احتاجت عند ذلك نفوسهم إلى من يذكرها العهد القديم، ويجدد عليها الذكر الحكيم، ويشوقها إلى ما عند الله، ويسوقها من دار الدنيا إلى الدار الآخرة.
فالرحمة الإلهية أجادت بإرسال الرسل إليها، وإنزال الكتب عليها، فمنهم من آمن لبقاء نور الفطرة في قلبه، ومنهم من صد عنه لانطماس نور فطرته ومسخه، وتراكم الظلمة على قلبه، واسوداده بالمعاصي، ولذلك قال: { فإما يأتينكم مني هدى } الآيتين.
فصل
سر الاتيان هنا بحرف الشك
" إن " للشرط، و " ما " مزيدة أكدت بها إن، ولهذا حسن تأكيد الفعل بالنون وإن لم يكن فيه معنى الطلب، وجواب الشرط الأول الشرط الثاني مع جوابه، كقولك: " إن جئتني، فإن قدرت أحسنت إليك " والمعنى: " إن يأتينكم مني هدى بإنزال أو إرسال فمن تبعه منكم نجا من قيد الدنيا وعذاب الآخرة في الجحيم، وفاز بالجنة والنعيم، ومن كفر وكذب بالهدى والآيات فهو من أهل النار والعذاب الدائم، فقوله: { والذين كفروا وكذبوا } - إلى آخره - عطف على الجملة السابقة قسيم لها، فالمجموع بمنزلة قضية شرطية متصلة، تاليها بمنزلة منفصلة مانعة الجمع، مركبة من شرطيتين متصلتين.
وإنما وقع الكلام بحرف الشك والتردد، والحال أن اتيان الهدى إلى كافة الناس كائن لا محالة، لأن ذلك أمر غير واجب لا لما ذهبت إليه الأشاعرة من نفي الوجوب والايجاب العقليين بل لدقيقة علمية هي أن أسباب الأكوان وغاياتها بعضها علل ذاتية، وبعضها علل غير ذاتية لتلك الأكوان، ويقال للقسم الثاني: " العلل الاتفاقية " فكل ما لزم من الصفات والأفعال للأنواع في أوائل طبيعتها الأصلية، وبحسب كمالها الأول فهو ناشئ من الأسباب الذاتية، وكل ما لحقها في فطرتها الثانية وبحسب كمالها الثاني، فهو من الأسباب الاتفاقية كاستعداد مادة، أو مصادفة حالة غريبة، أو معاونة أمر مبائن.
إذا تقرر هذا فنقول: إن الإنزال والإرسال، والترغيب والترهيب، والموعد والوعيد، كلها أمور غريبة طارية على أفراد الإنسان، ليست ناشئة من عللها الذاتية المقتضية لأصل ذاتها ووجودها، وإلا لما انفك منها واحد من أفراد الناس. نعم هي تفضلات واحسانات من قبل الله إلينا، بعد وجود المبادئ والأسباب الذاتية، وإن كان الكل من فضله وجوده، وهي نافلة لوجوده، لكن الكلام بعد تحقق العلل الضرورية، وإن كانت الاتفاقيات أيضا منجرة إلى أمور ضرورية، لكونها مستندة إلى ما في علم الله وعالم قضائه الحتمي.
Unknown page