873

فصل

اعلم أن المراد بقبول التوبة هو ما أشرنا إليه، والمراد به عند الجمهور اسقاط العقاب المترتب على الذنب، وهو في الحقيقة من لوازم ما وقعت إليه الإشارة، وسقوط العقاب بالتوبة الصحيحة مما أجمع عليه أهل الإسلام.

وإنما الخلاف في أنه هل يجب على الله؟ حتى لو عاقب بعد التوبة كان ظلما. أو هو تفضل يفعله الله سبحانه كرما منه بعبده؟

فالمعتزلة على الأول، والأشاعرة على الثاني، وإليه ذهب الشيخ أبو جعفر الطوسي - ره - في كتاب الاقتصاد، والعلامة الحلي في بعض كتبه الكلامية، وتوقف المحقق الطوسي - طاب ثراه - في التجريد. وقال شيخنا البهائي - رحمه الله - في أربعينه: " إن مختار الشيخين هو الظاهر، ودليل الوجوب مدخول ".

أقول: الوجوب بالمعنى الذي ذكرناه قطعي لا ريب فيه.

فإن قلت: ما معنى قبول التوبة؟ أفتقول كما قاله المعتزلة بأن كذا واجب على الله؟

قلنا: إنا لا تعني به ولا نريد إلا ما يريده القائل بقوله: " إن الثوب إذا غسل بالصابون وجب زوال الوسخ. وإن العطشان إذا شرب وجب زوال العطش، وإنه إذا منع الماء مدة وجب العطش وإذا دام العطش، وجب الموت " وليس في شيء من ذلك ما يريده المعتزلة، ولا ما يريده الأشاعرة إذ لا علاقة، ولا سببية بين الأشياء عندهم. بل نقول خلق الله الطاعة مكفرة للمعصية، والحسنة ماحية للسيئة، كما خلق الماء مزيلا للعطش، والقدرة متسعة لخلاف ذلك، ولكن ما سبقت المشية إلا بذلك، فلا واجب على الله، لكن كل ما سبقت به إرادته الأزلية فواجب كونه لا محالة.

فإن قلت: ما من تائب إلا وهو شاك في قبول توبته، والشارب لا يشك في زوال عطشه؟

قلنا: شكه في القبول كشكه في وجوب شرائط الصحة، فإن للتوبة أركانا وشروطا دقيقة، وليس يتفق وجود جميع شروطها، كالذي يشك في دواء شربه للاسهال في أنه هل يسهل، وذلك لشكه في حصول شروط الاسهال في الدواء باعتبار الحال، والوقت، وكيفية خلط الدواء وطبخه، وجودة عقاقيره وأدويته، فهذا وأمثاله موجب للخوف بعد التوبة وللشك في قبولها.

هذا ما قاله بعض أكابر الكشف والتحقيق.

Unknown page