860

وإنما رتبه بالفاء على تلقي الكلمات لتضمنه معنى التوبة، وهو الرجوع إلى الله بالقلب النقي، والعلم بقبح المعصية. وقد علمت أن توبة الرب متوقفة على توبة العبد، والاعتراف بالذنب والندم عليه، والعزم على أن لا يعود إليه.

وإنما اكتفى بذكر آدم لأن حواء كانت تبعا له في الحكم، ولذلك طوي ذكر النساء في أكثر القرآن والسنن.

{ إنه هو التواب الرحيم } أي: الرجاع على عباده بالمغفرة، أو الذي يكثر اعانتهم على التوبة. وأصل التوبة - كما مر - الرجوع.

قال القفال: " التوبة كالأوبة معنى. يقال: توب، كما يقال: أوب. قال تعالى

قابل التوب

[غافر:3]. فقولهم: " تاب يتوب توبا وتوبة ومتابا، فهو تائب وتواب " كقولهم: " آب يئوب أوبا وأوبة، فهو آئب وأواب ".

والتوبة لفظ مشترك فيها الرب والعبد، فإذا وصف بها العبد، فالمعنى: رجع إلى ربه. لأن كل عاص هو في معنى الهارب من ربه، فإذا تاب فقد رجع من هربه، فيقال: تاب إلى ربه، والرب تاب على عبده. وقد يفارق الرجل خدمة رئيس فيقطع الرئيس معروفه عنده، ثم يراجع خدمته، فيقال: فلان عاد إلى الأمير، والأمير عاد عليه بإحسانه ومعروفه " انتهى كلامه.

فبالحقيقة رجوع العبد إلى الحق عبارة عن الخروج من قيد النفس بترك المعاصي والتعلقات، وتصفية القلب عن درن الشهوات، ليستعد للقاء الله والجنة. ورجوع الحق إلى العبد عبارة عن كشف الحقيقة له بإفاضة الخيرات عليه، وانزال البركات إليه.

وبالجملة كما ان بعد العبد عن الحق عنه - مع أنه مع كل شيء، وهو أقرب إليه من كل قريب فكذلك قرب العبد من الحق برفع الحجب الظلمانية، يستلزم قرب الحق منه بتجلي ذاته له بنور وجهه، لا بمعنى أن يحصل له تغير انتقال، تعالى عن ذلك علوا كبيرا.

وهذا كما يقوله الفلاسفة في صيرورة الجوهر المفارق العقلي خزانة لمعلومات النفس بعد أن لم يكن، من غير لزوم تغير في ذات تلك الخزانة، بل من حيث كونها خزينة. وذلك لأجل تغير حدث في النفس. حيث استعدت للاتصال بها والاستفاضة منها.

Unknown page