814

خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وأسكنه الجنة في جواره، وزوجه حواء. حتى شاهد جمال الحق في مرآة وجهه، وأنبت شجرة المحبة بين يديه ثم منعه، وكان في ذلك المنع تحريص وتذكير أيضا. ثم عاتبه بقوله: { فتكونا من الظالمين }.

وهذا كما أسكر موسى (عليه السلام) بأقداح الكلام، وأذاقه لذة شراب السماع، وقربه نجيا، حتى اشتاق إلى جماله، وطمع في وصاله قبل أوانه، وقال: { رب أرني } فعاقبه بسطوة

لن تراني

[الأعراف:143].

وذلك أن الولاء والبلاء توأمان، والمحبة والمحنة رضيعا لبان، والمطلوب كلما كان أدفع كان أعز وأمنع، والجمال لا بد له من الدلال، وبه يتميز العاشق الصادق من المدعي المحتال، فلما ذاقا شجرة الغرام خرجا من دا ر السلام، فما لأهل السلام ودار الغرام، وأين الفارغ السالي من المحب الغالي.

وبالجملة فلما جاء القضاء ضاق الفضاء، فلم يمس بعد ما كان مسجود الملك، محسود السماك إلى السمك، مشمول الرعاية، موفور العناية، حتى نزعه لباس الأمن والفراغ، وبدل باستيناسه الاستيحاش، يدفعونه الملائكة بعنف، أن اخرج من غير مكث ولا بحث.

فأزلتهما يد التقدير بحسن العناية والتدبير، وكان الشيطان من جملة أسباب التقدير، فصار هدف سهام الطعن والطرد، فلما وقعا من القربة في الغربة، ومن الألفة في الكلفة استوحشا من كل شيء. وهكذا شرط المحبة عداوة ما سوى المحبوب، فكما أن ذاته لا تقبل الشركة في التعبد، كذلك لا تقبل الشركة في المحبة " انتهى كلامه.

ويمكن تطبيقه على القوانين البرهانية، وإن كان ظاهره كلمات خطابية.

فصل

إن الذين جوزوا الذنوب على الأنبياء (عليهم السلام)، حملوا النهي في قوله تعالى: { ولا تقربا هذه الشجرة } كقوله:

Unknown page