Tafsīr ṣadr al-mutaʾallihīn
تفسير صدر المتألهين
ثم النفس الكلية، وعالم النفوس المجردة المدركة للحقائق الكلية بالذات - أي بنور العقل الكلي - وللجزئيات بالآلات - أي بأنوار الحواس - ثم النفس الخيالية المجردة عن الأجسام لا عن الأجرام. ثم النفس المنطبعة المدركة للجزئيات بذاتها المثالية. ثم قواها المنطبعة. ثم النفوس النباتية من حيث حقائقها ونوعياتها الطبيعية، ثم الجواهر المعدنية، من تلك الحيثية. ثم الصور العنصرية. ثم الهيولى التي هي أخس الجواهر وأدونها، ومنها يتصاعد الوجود بعد تنزلها الأقصى.
وأما سلسلة العود والرجوع إلى الكمال بعد الهبوط إلى أنزل المنازل والأحوال فوجودها أيضا محقق لا شبهة فيه، بناء على ما ذكرنا مرارا من أن التوجه إلى الغايات في جبلة كل ناقص. وأن كل حادث من الحوادث، كما لا بد فيه من فاعل ومادة وصورة، كذا لا بد لصورته من غاية، والكلام في غايته كالكلام في نفسه، فلغايته غاية أخرى.
ولا تتسلسل الغايات الذاتية إلى غير النهاية، بل تنتهي إلى غاية لا غاية لها، ويجوز في الغايات العرضية التعاقب الغير المنقطع إلى غاية أخيرة عند جمهور الفلاسفة، كما يجوز ذلك عندهم في السوابق العرضية المسماة بالمعدات.
ولكن كلامنا في الغاية الذاتية التي وجد الشيء لأجلها، وهي التي تقدمت على المعلول في التصور العلمي، وتأخرت عنه في الوجود العيني، عندما يقع المعلول تحت الحركة والكون، إذا لم يكن التصور العلمي له عين وجوده العيني، وأما فيما ارتفع وجوده عن عالم الحركات والانفعالات، فالغاية له سابقة عليه علما، وعينا.
فالموجودات الصورية مما يجب أن تترتب ترتبا ذاتيا، رجوعيا غائيا على عكس الترتب الذاتي الابتدائي من الأدنى إلى الأعلى، فالوجود الذي يتصاعد في الشرف يظهر أولا في المعدن، ثم في الحيوان، ثم في الإنسان.
والصورة الإنسانية آخر المعاني الجسمانية، وأول المعاني الروحانية، كالبرزخ الجامع بين العالمين. وهي باب الله المؤتى منه إلى عالم القدس والرحمة. وهي آخر باب لسور حاجز بين النار والجنة، وبعد مرتبة الإنسان البشري مراتب كثيرة في الصعود حتى يبلغ الوجود إلى النهاية.
واعلم أن النفوس الإنسانية كما أنها تكون متفاوتة في النهاية، كذلك كانت متفاوتة في البداية، واختلافها من اختلاف معادنها الأصلية " الناس معادن كمعادن الذهب والفضة ". كما أخبر عنه سيد الأنبياء عليه وآله وعليهم السلام والصلاة، وقد خلق الله في كل نفس معنى مخصوصا، وقوة محركة مخصوصة يجرها إلى معدنها الأصلي، ولا يقف بها دونه. قال تعالى:
كما بدأنآ أول خلق نعيده وعدا علينآ إنا كنا فاعلين
[الأنبياء:104]. وقال أيضا:
قد علم كل أناس مشربهم
Unknown page