785

وبالجملة ما من نوع من أنواع الموجودات - من أعلاها إلى أدناها - إلا ويمكن أن ينقلب إليه بعض الأشخاص الإنسانية، كما قال تعالى:

إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيهآ أولئك هم شر البرية إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية

[البينة:6 - 7].

الأصل الرابع: إن الموجودات كما هي مترتبة في سلسلة النزول الايجادي الصدوري من الأعلى فالأعلى، إلى الأدنى فالأندنى - وهي المادة الجسمانية - كذلك مترتبة في سلسلة الصعود الاعدادي من الأدنى فالأدنى، إلى الأعلى فالأعلى.

ففي سلسلة الإبداع والافاضة، كل ما كان أقدم في الوجود فهو أشرف وأفضل، وفي سلسلة التكوين، والاعداد للغايات، كل ما هو آخر فهو أشرف، لأن الأكوان الابداعية لكمال وجودها متفضلة راشحة بالخير الدائم على ما دونها، والأكوان الحادثة متوجهة في الاستفاضة للخير عما فوقها، سالكة في طلب التمام والكمال إلى غاياتها.

وقد ثبت أن للأشياء الطبيعية غايات، ولا يخلو موجود ناقص إلا وقد أودع الله فيه قوة طبيعية محركة، أو شوقا جبليا يسلك به إلى طلب الكمال، وتوصله إلى الغاية والتمام. ولهذا جزم الحكماء الإلهيون بسريان نور العشق والشوق إليه تعالى في جميع الموجودات، ما من موجود إلا وهو عاشق له، أو مشتاق ساكن إليه أو سالك، والله الباقي وكل شيء هالك.

واعلم أن هذه القشور الكثيفة، وإن كانت خسيسة في الغاية، شبيهة بالعدم، لكن إعادة ترتيب الحدوث من هذه الحسيات الزائلة إلى العقليات الدائمة، ليس بأصعب على من له الخلق والأمر من ابتدائه بالسياق عن العقليات الدائمة إلى الحسيات الدائرة، وليس القشر المتكاثف - وإن تناهى في الاظلام والكثافة - بممتنع عن قبول الأثر عن الجوهر اللطيف.

بل الأرض وإن تمكنت بالاستفالة والاستقلال، واشتدت قوتها بمبالغ الانزال، فإنها بتأثير قوة الشمس فيها، وإشراقها عليها تستجلب اللطافة، وتصير مادة للغذاءات والأقوات ومنشأ لتوليد النبات.

ولو كان القشر المتكاثف ممتنعا عوده إلى اللطافة، أو مصيرة مادة لتوليد اللباب فيه، أو منه، لما كان في جوهره وطبيعته قوة قابلة منفعلة، بل لم يكن القشور من الحبوب المزروعة ليصير قوتا للحيوانات، ولم يكن الثفل الكدر من الأشياء المأكولة ليصير مادة النبات.

الأصل الخامس: إن الإنسان يختص من بين الموجودات، بأن له أن يتحرك وينقلب من أدنى الموجودات إلى أعلاها، ويسلك من بعضها إلى بعض، ويتبدل من طور إلى طور، وهو في الحركة إلى الكمال أبعد مسافة، وفي السلوك إلى المعاد والمرجع أعظم قوسا للرجوع، وإن ابتداء حركته أدنى وأخس من ابتداء حركة غيره، وانتهاء رجوعه أعلى وأرفع من انتهاء رجوع الكل.

Unknown page